فراس النعسان : تكريم «الدستور» في الفجيرة
ليست كل الجوائز دروعاً تُعلّق على الجدران، بعضُها يُعلّق في القلب. وأمس، حين كرّم ملتقى الفجيرة الإعلامي 2026 صحيفة «الدستور» الأردنية، لم يكن الأمر احتفاءً بمؤسسةٍ صحفية فحسب، بل كان اعترافاً بذاكرةٍ تمشي على قدمين، وتكتب بمداد التجربة، وتشيخ بكرامة.
«الدستور» ليست جريدةً صدرت في لحظة عابرة من تاريخ الأردن؛ هي ابنة زمن مثقل بالتحوّلات، وُلدت في أواخر الستينيات، في زمنٍ عربيٍّ كانت فيه الهزيمة سؤالاً مفتوحاً، وكانت الصحافة إحدى أدوات استعادة المعنى. ومنذ ذلك الحين، لم تكن مجرد ناقلٍ للأخبار، بل شاهدَ عيانٍ على تشكّل الدولة الحديثة، على تقلّبات السياسة، وعلى نبض الشارع الأردني وهو يبحث عن صوته بين العناوين.
الصحف العريقة تشبه الأشجار المعمّرة؛ لا تُقاس بارتفاعها فقط، بل بعمق جذورها. و»الدستور» مدّت جذورها في تربةٍ أردنية صلبة، عرفت الشدّة كما عرفت الرجاء. مرّت عليها أزمنة رخاء وأخرى ضيق، واجهت تحديات الورق في عصر الشاشة، وصار عليها أن تدافع عن معنى الصحافة في زمنٍ صار فيه الخبر ومضةً عابرة في هاتفٍ صغير. ومع ذلك، ظلّت تؤمن أن الكلمة ليست استهلاكاً سريعاً، بل مسؤولية.
حين كنتُ في بداياتي عام 1995، أدخل مبنى الصحيفة بشيءٍ من رهبةٍ وشيءٍ من الحلم، لم أكن أرى الجدران بقدر ما كنت أرى الوجوه. وجوه الصحفيين الذين كانوا يتعاملون مع الخبر كما يتعامل الجرّاح مع مشرطه: دقّة، وهدوء، وإحساسٌ بأن الخطأ ليس تفصيلاً. هناك تعلّمت أن الصحافة ليست وظيفةً تُؤدّى، بل انتماء. أن تكتب يعني أن تنحاز للحقيقة، حتى لو كانت مُرّة. وأن تحترم القارئ، يعني أن تحترم نفسك أولاً.
لم تكن «الدستور» بالنسبة لي مكان عملٍ فحسب، بل بيتاً دافئاً. والبيوت، كما نعرف، لا تُختزل في سقفٍ وأربعة جدران، بل في الطمأنينة التي تمنحها. حتى بعد خروجي من الأردن في رحلة الاقتراب من عوالم أخرى، لم أنقطع عنها. كنت أعود إليها كما يعود المرء إلى صورته الأولى؛ ليتأكد أن ملامحه لم تتغيّر كثيراً.
تكريمها في الفجيرة هو، في جوهره، تكريم لفكرة الاستمرارية في عالمٍ يعشق القطيعة. الفيلسوف بول ريكور قال إن الذاكرة هي مقاومة النسيان. والصحيفة الجادّة هي شكلٌ من أشكال هذه المقاومة. إنها تقول للأحداث: لن تمرّوا بلا أثر. وتقول للزمن: سنوثّقك، حتى لا تتلاعب بنا.
في زمنٍ تتشظّى فيه الحقيقة بين منصاتٍ لا تُحصى، يصبح وجود صحيفةٍ ذات تاريخٍ عريق أشبه ببوصلةٍ أخلاقية. ليس لأنها معصومة من الخطأ، بل لأنها تؤمن بالمراجعة، وبأن الصحافة موقفٌ قبل أن تكون مهنة. وقد كانت «الدستور» في محطات كثيرة صحيفة الموقف، لا صحيفة الريح.
التكريم، إذاً، ليس نهاية مسار، بل دعوةٌ للاستمرار. هو رسالةٌ تقول إن الصحافة التي تحترم عقل القارئ لا تموت، حتى لو تغيّرت أدواتها. فالورق قد يبهت، لكن الفكرة تبقى. والاسم الذي كُتب على مدى عقود، لا يُمحى بحبرٍ عابر.
أمس، في الفجيرة، لم يُحتفَ بماضٍ فقط، بل أُضيئت شمعةٌ في حاضرٍ يحتاج إلى معنى. و»الدستور» التي كانت بيتاً لي، ستبقى بيتاً لكل من آمن أن الكلمة شرف، وأن الصحافة ليست ضجيجاً، بل ضمير.