د. عدنان مساعدة : قراءة في كتاب ملك وشعب .. (13) المبادرات الملكية السامية : الدولة لا تنسَ أبناءها المخلصين
يعد كتاب «ملك وشعب» الذي أصدره الديوان الملكي الهاشمي العامر منجزا وطنيا هامّا يوثّق المبادرات الملكية السامية الزاخرة بالخير والعطاء والإنسانية ضمن رحلة خيّرة لا ينضب عطاؤها بين ملك إنسان وأبناء شعبه. إن هذا الملف الإنساني والتنموي الذي يوليه جلالة سيدنا كل إهتمام حيث أسند أمر متابعته وتنفيذه إلى لجنة برئاسة معالي الأستاذ يوسف حسن العيسوي رئيس الديوان الملكي الهاشمي ضمن فريق عمل مخلص وجاد ليعكس صورة إرتباط ملك رحيم تجلّت صفات الإنسانية بأجل صورها مع أبناء شعبه الأردني بروح تنم عن إنتماء ومحبة قائد لوطنه ولشعبه، وولاء ومبايعة شعب لقائده بصدق وإخلاص.
وسأتناول هنا في المقال الحادي والثلاثين (31) ضمن سلسلة مقالات قراءة كتاب ملك وشعب «المبادرات الملكية السامية: الدولة لاتنس أبناءها المخلصين – إعادة تأهيل متحف دارة الشهيد وصفي التل وبيت المغفور له المشير الركن حابس المجالي».
رجال عاهدوا الله والوطن وقيادتنا الهاشمية الحكيمة عبر مسيرة الدولة الأردنية الراسخة في مجالات حياة العمل والمسؤولية والحياة العامة الذين رسخّوا الضمير المؤسسي بإخلاصهم، والأمثلة كثيرة من البناة الأوائل المخلصين ألذين أعطوا للوطن جل حياتهم تضحية وفداء وكانوا القدوة قولا وعملا، وفي يوم إفتتاح صرح الشهيد بتاريخ 25 تموز 1977 قال جلالة سيد الرجال المغفور له بإذن الله حسيننا العظيم « وسار على نفس الطريق هزاع ووصفي وابراهيم هاشم وسليمان طوقان وأم علي علياء الحسين وآلاف من الضباط والجنود والمواطنين الشرفاء اختاروا الشهادة في معارك الأردن المتصلة الكثيرة دفاعا عن الوطن والمسيرة والتراث والمباديء الأصيلة».
ومن هنا، كان التوجيه الملكي بالمحافظة على الموروث التاريخي والوطني وتكريم تاريخ وإرث هؤلاء الرجال الرجال، وعلى سبيل المثال، لا الحصر أمر جلالة سيدنا في التاسع والعشرين من كانون الأول عام 2011 بإجراء صيانة وإعادة تأهيل شاملة لمتحف دارة الشهيد وصفي التل وتأمينه بجميع وسائل الحماية للحفاظ على ومروثه التاريخي والوطني حيث ساهم كرجل دولة من خلال عمله كرئيس للوزراء في عهد جلالة سيد الرجال المغفور له حسيننا العظيم في بناء مؤسسات الدولة في بناء المدارس وانشاء أم الجامعات الأردنية والصحة والزراعة وشركة الفوسفات وشركة البوتاس وغيرها من المجالات جعلت منه شخصية لا تنسى وعاشت في ذاكرة الوطن وحفرت في قلوب الناس.
نعم، إن سيرة وصفي1919-1971) (ومدرسته ونهجه في العمل العام يستحقان أن يعيشا في ذاكرة الوطن، حيث كان جنديا آمن بأن الجندية شرف لا يدانيه شرف، وهي الحصن المنيع الذي يحمي الوطن، وفيها الردع القوي لكل من يحاول المساس بالثوابت الوطنية ومقومات الدولة الأردنية الراسخة.... وكان قائدا وزعيما مهابا، كما كان الفلاح الذي عشق الأرض والزراعة، والمفكر والسياسي ورجل الدولة الذي ما هادن باطلا ودافع عن وطنه كما دافع عن فلسطين مقاتلا بصلابة الرجال والأبطال.
وما زال نهج وصفي راسخا في حياة الأردنيين، وكان بحق رجل الدولة الاستثنائي حيث لم يسع لجمع ثروة أو مال وكان نظيف اليد وقوي الحجة والبيان في تسمية الأمور بمسمياتها بكل جرأة، وخصوصا اذا تعلق الأمر بالوطن، فلا مجال للخطأ او التقصير بالقضايا التي تتعلق بالشأن العام، ولم يتجرأ متخاذل أو متقاعس على العبث بمقدرات الوطن أو النيل من كرامة الوطن والمواطن، وامتلك الفراسة في اختيار الأوفياء المخلصين مطلقا نهج العمل الجاد والمسؤول، وترسيخ الضمير المؤسسي الذي انعكس على الأداء ضمن سيادة القانون ومنعة الدولة وهيبتها.
لقد اقترن اسم وصفي شهيد الوطن والأمة في عقول وقلوب الأردنيين وعلى إمتداد الوطن، رمزا للإخلاص والتفاني وتحقيق المنجزات مقتنعا بأن بناء الانسان فكرا وتعليما وثقافة وانتماء يقود الى العطاء والانتاج القادر على تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتحقيق الأمن الغذائي عن طريق استثمار الارض التي كان يعتبرها نفط الأردن وعماد سيادته. ولتطمئن روحك الطاهرة وجسدك المسجى بدفء تراب شيحان وتل اربد والبلقاء وفي كل مكان يفوح منها رائحة سنابل قمح بلادي وزيتونه وماؤه العذب الزلال تاركا لنا رسالة ترجمّها فعلا وقولا بأن قافلة الشهداء وعزيمة المخلصين الأوفياء لن تتوقف في أردن العزم الكرامة.
وكذلك وجه جلالة سيدنا أمانة عمان الكبرى وبالتنسيق مع الديوان الملكي الهاشمي العامر لإجراء صيانة وإعادة تأهيل لبيت المغفور له بإذن الله المشير الركن حابس المجالي في عمّان تمهيدا لتحويل جزء منه لمتحف والجزء الثاني لإدارة مؤسسة المتقاعدين العسكريين، تكريما لهذا القائد العسكري الشجاع الذي كان مثالا للتضحية مدافعا عن الوطن ورسالته كقائد عام للجيش الأردني، وجنديا في ساحات الوغى في معارك اللطرون وباب الواد دفاعا عن فلسطين قارع خلالها العدوان الإسرائيلي ببطولة وشرف، فأستحق تقة راحلنا العظيم جلالة الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه.
إن التاريخ العسكري المشرّف للمشير حابس المجالي (1914-2001) يستحق الإشارة اليه هنا، حيث قاد القوات الأردنية في معركة اللطرون التي وقعت خلال الفترة 15-23 أيار عام 1948 وتكوّنت القوة من (1200) جندي أردني في مواجهة شرسة مع (6500) جندي اسرائيلي، وأحبط الجيش الأردني عملية داني الاسرائيلية التي كانت تستهدف احتلال اللد والرملة ومن ثم دير اللطرون، تمهيدا للوصول إلى باب الواد.
وتمكّن بمهارته وذكائه العسكري أن يدفع بالقوات الأردنية للتفوق وتحقيق نصر عز نظيره في تلك الحروب، وقد قدرّت - في حينه- بعض جهات الاحتلال الاسرائيلي خسائرها ب (200) قتيل، وأسر عدد كبير من الإسرائيليين من بينهم رئيس وزراء إسرائيل السابق ارئيل شارون الذي كان قائدا للقوات الإسرائيلية في تلك المعركة ونقل إلى معسكر الأسرى في مدينة المفرق، وقد كانت هذه المعركة خطوة كبيرة في تحرير القدس.
أمّا معركة باب الواد التي قادها حابس المجالي بعد أقل من أسبوع على معركة اللطرون، حيث هاجمت قوات الجيش الأردني خطوط الجيوش الصهيونية وألحقت بها الهزيمة. وقد قتل منهم المئات وجرح أكثر من ألف جندي وتم أسر العديد من جنود الاحتلال، في حين إستشهد من الجيش العربي الأردني عشرون جندياً، وبذلك تمكنت القوات الأردنية من تحرير مدينة القدس من يد قوات الاحتلال الإسرائيلية، واعتبرت المعركة نصرا للجانب الأردني، وقال – في حينه- مؤسس الكيان الإسرائيلي ديفيد بنغوريون عام 1949 أمام الكنيست: «لقد خسرنا في معركة باب الواد وحدها أمام الجيش الأردني ضعفي قتلانا في الحرب كاملة».
وهكذا كان حابس المجالي الجندي والقائد العسكري الفذ لا يهاب الردى وكلمات الحق والبطولة تجري على لسانه وترصّع أوسمة الشرف على صدره، وغادر الدنيا واقفا شامخا كما غادر وصفي وهما يحملان راية الوطن حيث لم تمتد أيديهما إلى مال عام أو مصالح ضيقه، ومضيا إلى رحاب الله مؤمنين بأن الأردن هو الأكبر والأبقى، ومطمئنين بأن راياته ستيقى خفاقة عالية في كل مكان على إمتداد هذه الأرض التي عاشا من أجلها فرسانا في سفر الأردن الخالد أرض البطولات والعز والكرامة.
لقد جاءت هذه المبادرات الملكية السامية وبتوجيه مباشر من جلالة سيدنا إنطلاقا من أن الدولة لا تنس أبناءها المخلصين الذين تركوا بصمات ناصعة البياض كنهج عمل حيث أن سيرة الشرفاء المخلصين لن تنسى، وكما كانوا أعمدة إخلاص وبنيان ونهضة لوطنهم في حياتهم، كانوا قدوة وأعمدة حق وحصنا منيعا لوطنهم وفاء ومحبة عند مغادرتهم هذه الدنيا وظلت سيرتهم ونهج حياتهم حاضرة لم تغب.
نعم، إنها الرعاية الهاشمية لرجالات الدولة المخلصين حيث أن الدولة الأردنية لم تنس أبناءها، وإستمرت المتابعة الملكية السامية بتوجيه مباشر من جلالة سيدنا ومن صاحب السمو ولي العهد وذلك بتكليف معالي رئيس الديوان الملكي الهاشمي بمتابعة أحوال وصحة الكثير من أبناء الوطن الذين خدموا بلدهم بتفان وإخلاص في مجالات منعددة، إضافة إلى المشاركة في تشييع من رحل منهم إلى رحاب الله، وكان آخرها المغفور له بإذن الله دولة الأستاذ احمد عبيدات رئيس الوزراء ومدير المخابرات الأسبق الذي توفاه الله الأسبوع الماضي، هذا الرجل الوطني الذي تمتع بصفات عز نظيرها تركت الأثر الطيب في ذاكرة الوطن أمانة وهيبة ووقارا، حيث كان عبر مسيرة حياته رجل الدولة المخلص الأمين والبار بوطنه وقيادته الهاشمية الحكيمة، وودعه الأردنيون وداع الكبار والشرفاء بما يليق بمقامه ومواقفه المشرفة، هذه الرعاية لأبناء الوطن التي تأتي منظومة عمل جادة تعمل بضمير مؤسسي مسؤول يتابعه الديوان الملكي الهاشمي العامر بيت جلالة سيدنا وبيت الأردنيين جميعا، يرافق ذلك جهود تقوم على الإخلاص والتفاني في العمل في ظل مجتمع متكافل واحد موحّد ومتماسك يزرع بذور الخير والعطاء والإنسانية، برعاية وإهتمام جلالة سيدنا الملك الإنسان عبد الله الثاني بن الحسين أعز الله ملكه القدوة لنا جميعا في الإنجاز والعمل وللحديث بقية. ــ الدستور