م. سعيد بهاء المصري يكتب : الوفاء والبيعة وعلاقتهما بمؤسسة العرش في النظام الملكي في المملكة الأردنية الهاشمية
نستهلّ هذا الكلمات الطيبة بالترحّم على روح فقيد الوطن وباني نهضته الحديثة، جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال، الذي شكّل بصفاته القيادية والإنسانية مدرسةً في الحكم الرشيد، ونبارك لجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين ذكرى تولّيه سلطاته الدستورية عام 1999، تلك اللحظة المفصلية التي جسّدت معنى الاستمرارية الدستورية، ورسّخت مفهوم الدولة المستقرة في إقليمٍ شديد الاضطراب.
إن الوفاء والبيعة في السياق الأردني ليسا مجرد طقسٍ سياسي أو تعبيرٍ وجداني، بل هما عقدٌ أخلاقي ودستوري بين الشعب ومؤسسة العرش؛ عقدٌ يقوم على الشرعية التاريخية، والقبول الشعبي، والالتزام بحماية الوطن وصون كرامة مواطنيه. فالبيعة تُعبّر عن الرضا العام والتفويض الدستوري، والوفاء يترجم هذا التفويض إلى ثقةٍ متبادلة ومسؤوليةٍ مستمرة.
لقد قدّم الأردن نموذجًا فريدًا في انتقال السلطة من الخلف إلى السلف، حين أوكل جلالة الملك الحسين بن طلال ولاية العهد إلى أكبر أبنائه في ذلك الوقت، سمو الأمير عبد الله بن الحسين، فكان الانتقال سلميًا، منضبطًا، ومحكومًا بأحكام الدستور وإرادة الدولة. لم تهتزّ المؤسسات، ولم يتعطّل القرار، بل تواصلت الدولة في أداء وظائفها بسلاسة تُدرَّس في علم الحكم والإدارة العامة. وهذا ما جعل من تلك اللحظة شاهدًا حيًا على نضج النظام السياسي الأردني وقوة بنيته المؤسسية.
وتتجلّى أهمية مؤسسة العرش في كونها صمّام أمانٍ للاستقرار الوطني والأمن الشامل. فالملك، بصفته رأس الدولة، لا يحكم بمعزلٍ عن المؤسسات، بل يشرف على أدائها ويضمن انسجامها ضمن الإطار الدستوري الذي يقوم على السلطات الثلاث: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية. هذا التوازن الدقيق، الذي راكمه الأردن عبر عقود، هو الذي أتاح إقامة دولة المؤسسات، دولة القانون، ودولة المسؤولية والمساءلة، حيث تستمد الشرعية من الدستور وتستمد القوة من الثقة الشعبية.
وعند استحضار تاريخ المملكة، نرى أن هذا النهج لم يكن استثناءً عابرًا، بل مسارًا متكررًا عبر العقود. فمنذ تأسيس الدولة، ظلّ الانتقال المنظّم للسلطة، واحترام الأعراف الدستورية، والاحتكام إلى البيعة والوفاء، عناصر ثابتة في التجربة الأردنية. وقد مكّن ذلك الأردن من تجاوز أزمات إقليمية وحروب وضغوط سياسية واقتصادية، دون أن يفقد تماسكه الداخلي أو هويته الوطنية.
إن الخطابة الوطنية الصادقة لا تنفصل هنا عن الوقائع؛ فالوفاء ليس شعارًا، والبيعة ليست كلمات، بل ممارسة يومية تتجسّد في حماية الدولة، ودعم مؤسساتها، والالتفاف حول قيادتها، والإيمان بأن الاستقرار ليس معطىً دائمًا، بل إنجازٌ يُصان بالوعي والمسؤولية. وفي هذا المعنى، تبقى مؤسسة العرش في الأردن ركيزة الاستمرارية، وحارسة الدستور، وضامنة التوازن بين الشرعية التاريخية ومتطلبات الدولة الحديثة.
رحم الله الملك الحسين بن طلال، وبارك مسيرة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين وسمو ولي عهده الأمين، وحفظ الأردن دولةً آمنةً مستقرة، عنوانها الوفاء، وجوهرها البيعة، وغايتها الإنسان والوطن.