الأخبار

اسماعيل الشريف : إيران مقابل أوكرانيا

اسماعيل الشريف : إيران مقابل أوكرانيا
أخبارنا :  

في السياسة، الغاية تبرّر الوسيلة - ميكافيلّي، الأمير.

تقف المنطقة اليوم على شفير الهاوية، مترقّبةً مواجهةً محتملة بين إيران والولايات المتحدة؛ مواجهةٌ إن اندلعت، لا قدّر الله، ستكون مدمّرة، وقد تتّسع رقعتها، وفق التقارير، لتجرّ دولًا في الإقليم إلى صراعٍ لا رغبة لها فيه، وفي مقدّمتها تركيا وأذربيجان.

في هذا المناخ المتوتّر، انتهت قبل يومين في مسقط الجولة الأولى من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران التي ترقّبها العالم، دون أن تُسجّل نجاحًا حاسمًا أو فشلًا صريحًا، بل وُصفت بأنها بداية إيجابية. وأكّدت إيران تمسّكها بأن تقتصر المباحثات على ملف تخصيب اليورانيوم، من حيث مستواه ونقائه، رافضةً الخوض في برنامجها الصاروخي أو في الفصائل التي تدعمها. وقد تنفّس الجميع الصعداء بعدما لم تنهَر المفاوضات، واتفق الطرفان على عقد جولة جديدة لاستكمال الحوار.

ولعلّ من أكثر ما لفت الانتباه في هذا السياق تصريح الكرملين الذي عبّر فيه عن أمله بنجاح المفاوضات، وهو ما يعزّز الاعتقاد بأن لروسيا دورًا محوريًا في هذه المباحثات وفي مجمل ما يجري خلف الكواليس. بل قد تكون هذه المفاوضات، في جوهرها، حوارًا غير مباشر بين موسكو وواشنطن، يهدف إلى الربط بين الملفين الإيراني والأوكراني في صفقةٍ أكبر تتجاوز ظواهر الأحداث.

في حزيران الماضي، وبينما كان اثنان وعشرون فلسطينيًا يرتقون شهداء جرّاء قصفٍ استهدف مقهى، آثر الرئيس الأوكراني زيلينسكي الإشادة بسياسة الرئيس ترامب تجاه إيران، متجاهلًا بصمتٍ فاضح الإبادة الجماعية المستمرة في غزة. وكان الأجدر به أن يربط بين قتل الأطفال هناك وما تتعرّض له بلاده في أوكرانيا، لكنه اختار طريق النفاق والاصطفاف إلى جانب الكيان الصهيوني، فخسرت قضيته كثيرًا من رصيدها في أعين أحرار العالم. لقد راهن على أن تقرّبه من الولايات المتحدة، على شاكلة الكيان الصهيوني، سيكفل له السلاح والدعم، غير أنه تناسى حقيقةً جوهرية: أوكرانيا ليست «إسرائيل».

كان ذلك خطأ زيلينسكي الأول، أمّا خطؤه الأهم فتمثّل في عجزه عن إدراك حقيقةٍ قاسية مفادها أنّه، وإيران، وسائر دول العالم، ليسوا سوى أوراقٍ في لعبة المصالح التي تديرها القوى العظمى. وباعتماده الكامل على الولايات المتحدة، فقد كل أوراقه، وتحول إلى أداةٍ في يدها، وارتهن مصير بلاده لقراراتٍ لا تُصاغ في كييف، بل في واشنطن.

ويُخطئ زيلينسكي في تقديراته حين يتوهّم أن أوكرانيا تحتلّ مكانةً أعلى من إيران في حسابات السياسة الخارجية الأميركية. فالولايات المتحدة تنظر إلى إيران بمنظارٍ مختلف عن الكيان الصهيوني؛ إذ ينحصر همّها الأساسي في النفط: السيطرة عليه، وتسويقه بالدولار، ووضع هذه الثروة الهائلة تحت نفوذها، مع استعدادٍ واضح لترك سائر الملفات معلّقة. ففي ميزان المصالح، يبقى النفط الإيراني أثمن بكثير من الأراضي الأوكرانية إذا ما تحقّق هذا الهدف. أمّا الكيان الصهيوني، فيخوض معركةً وجوديةً من نوع آخر، يسعى فيها إلى تدمير القدرات العسكرية الإيرانية بالكامل، باعتبارها الخطر الأكبر على أمنه القومي، وصولًا إلى تغيير الحكم هناك، واستعادة حلم عودة حكم ابن الشاه.

ومنذ زمن الحرب الباردة، لم تتوقّف روسيا والولايات المتحدة عن إدارة حروبٍ بالوكالة، من فيتنام وأفغانستان إلى العراق وليبيا؛ صراعاتٌ كان مسرحها دولًا أخرى، لكن فاعليها الحقيقيين ظلّوا قوتين عظميين تتصارعان على النفوذ. واليوم يتكرّر المشهد بوضوح عبر ملفّين صارخين: أوكرانيا في مواجهة روسيا بدعمٍ أميركي، وإيران في مواجهة الولايات المتحدة بدعمٍ روسي–صيني. ومن هنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: في حسابات واشنطن الاستراتيجية، أيّهما يتقدّم؟ كبح روسيا عبر الساحة الأوكرانية، أم إحكام السيطرة على الشرق الأوسط عبر «إسرائيل»؟

وببساطة: إذا ظفرت الولايات المتحدة بإيران، ونالت روسيا أوكرانيا، لخرج الطرفان راضيين عن حصيلة الصراع. فهذه هي طبيعة السياسة حين تُدار بعقل المصالح لا بمنطق القيم. فالولايات المتحدة لم تتردّد في الاعتراف بالحكم الجديد في سوريا عندما فرض نفسه واقعًا، كما تخلّت عن الأكراد خلال حرب الخليج الثانية عام 1991 (عاصفة الصحراء)، بعد أن سلّحتهم وشجّعتهم على الانقلاب على حكم صدام حسين، ثم تركتهم لمصيرٍ مكشوف. وما تلا ذلك فصلٌ معروف في سجلّ الخذلان السياسي.

واليوم، تتحدّث مراكز الدراسات الاستراتيجية وكبار المحلّلين عن اقتراب صفقةٍ ما بين القوى الكبرى، يُرجَّح أن تدفع إيران وأوكرانيا ثمنها. ووفق منطق ميكافيلّي، تظلّ السياسة ساحةً للمصالح وموازين القوّة، لا ميدانًا للفضيلة أو الأخلاق.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك