الأخبار

رنا حداد : «أبو التحوّل الرقمي على أبو اللي خلفوه» !!

رنا حداد : «أبو التحوّل الرقمي على أبو اللي خلفوه» !!
أخبارنا :  

هذا ما كتبته صديقة تحمل درجة الدكتوراه على صفحتها.. نعم العنوان أعلاه هو «منشور» انهالت عليه التعليقات مؤيدة، وللأمانة ايضًا مستهجنة.

كل ما في الأمر لا أحد ضد التحول الرقمي، ولا ينظر إليه بوصفه موضة عابرة أو شعارًا جميلًا يُرفع في المؤتمرات. إنما لهذه الجملة أسباب كثيرة.

التحوّل الرقمي صار جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية؛ ندفع فواتيرنا عبر الهاتف، نحجز مواعيدنا بضغطة زر، وننجز معاملات كنّا نقضي من أجلها ساعات في طوابير طويلة. المشكلة ليست في الفكرة، بل في من يتصدّر مشهد تنفيذها. من يقود هذا التحوّل اليوم؟ ومن يملك فعلًا الأهلية ليكون على رأس عملية تغيير تمسّ حياة الناس بشكل مباشر؟

في السنوات الأخيرة، صار الحديث عن الرقمنة أسهل من تطبيقها. امتلأت المنصّات بخطابات عن التحول الرقمي، وتصدر عناوين المؤتمرات، هذا كله إلى جانب صور أنيقة من فعاليات تتحدّث عن الابتكار والذكاء الاصطناعي، لكن المواطن البسيط لا يهمّه كل هذا الزخم إن كان التطبيق يتعطّل، أو الموقع لا يعمل، أو الخدمة الرقمية تزيد تعقيد حياته بدل أن تخفّفه.

بين الصورة اللامعة والواقع اليومي فجوة واضحة، وهذه الفجوة لا تُردم بالشعارات، بل بعمل هادئ طويل النفس يعرف أين يقف الناس وما الذي يحتاجونه فعلًا للتعامل مع التحول الرقمي، اذا تم، وكيفية العيش معه، بدلا من لعنه.

التحوّل الرقمي ليس «فلترًا» نضعه على وجه مؤسسة متعبة، ولا واجهة إلكترونية جميلة تخفي خلفها إدارة قديمة. هو تغيير في طريقة التفكير قبل أن يكون تحديثًا في الأدوات. هو أن تُعاد صياغة الإجراءات لتصبح أسهل، وأن يُدرَّب الموظفون على أن التقنية وسيلة لخدمة الإنسان لا عبئًا إضافيًا عليه، وأن تُبنى أنظمة تفهم الواقع بدل أن تطلب من الواقع أن يتكيّف معها قسرًا. من لا يرى هذا العمق، غالبًا ما يتعامل مع الرقمنة بوصفها عرضًا بصريًا، لا مسار إصلاح حقيقيا.

المشكلة حين يتحوّل التحوّل الرقمي إلى استعراض. حين نخلط بين من يتقن لغة الابتكار ومن يصنع الابتكار فعلًا. في هذه اللحظة، يبدو كل شيء جميلًا على السطح، بينما الواقع يراوح مكانه. الناس لا تريد أن تسمع عن الرؤية الرقمية، تريد أن تراها في خدمة لا تتعطّل، وفي إجراء لا يحتاج ثلاثة محاولات، وفي نظام يحترم وقتها وكرامتها.

الاستعراض قد يمنح شعورًا زائفًا بالتقدّم، لكنه لا يبني ثقة، ولا يخلق تغييرًا ملموسًا.

ثمّة جانب آخر غالبًا ما يُهمل في حديث الرقمنة، وهو بعدها الإنساني والأخلاقي. ليست كل الفئات تمتلك الأدوات نفسها أو القدرة نفسها على التعامل مع التكنولوجيا. حين يُصمَّم التحوّل الرقمي بلا حسّ اجتماعي، يتحوّل من فرصة لتسهيل الحياة إلى سبب جديد للإقصاء.

هل هذه الخدمة مفهومة للجميع؟ هل تترك أحدًا خلفها؟ وهل تُقاس سهولتها بقدرة المستخدم البسيط، لا بمدى إعجاب الخبراء بها؟

الرقمنة طريق طويل، فيه أخطاء وتعلّم وتصحيح مسار. قيادات ترى في التحوّل الرقمي مسؤولية تجاه الناس، لا فرصة للظهور وعقد مزيد من المؤتمرات. فالعالم لا يتغيّر باللايكات، بل حين يشعر الناس فعلًا أن التكنولوجيا جاءت لتخدمهم، لا لتتعبهم أكثر، حينها فقط لن نسمع من يلعن التحول الرقمي، بل سيشكر من خلفوه.

مواضيع قد تهمك