اسماعيل الشريف : الوهم
إنهم لا يريدون سلامًا، بل يريدون استسلامًا- غسّان كنفاني.
تتفاقم المعاناة الإنسانية على أهلنا في غزة بشكل متزايد، في ظل واقع يكشف أن ما يُطلق عليه مسمى «وقف إطلاق النار» لا يعدو كونه واجهة دبلوماسية تهدف إلى امتصاص الضغوط الدولية، بينما تستمر عمليات الإبادة الممنهجة بصورة أكثر هدوءًا وبعيدًا عن الأضواء. فالواقع الميداني يشهد استمرار سقوط الضحايا الفلسطينيين بمعدل يومي يبلغ سبعة شهداء، ثلثهم من الأطفال، وهو معدل وإن انخفض عن ذروته السابقة التي بلغت تسعين شهيدًا يوميًّا قبل إعلان الهدنة المزعومة، إلا أنه يؤكد استمرار النهج الإجرامي ذاته.
في أواخر العام المنصرم، أقدم الكيان الصهيوني على حظر سبع وثلاثين منظمة إنسانية دولية من مزاولة أنشطتها، بما في ذلك منظمات ذات مصداقية عالمية مثل «أطباء بلا حدود» و»أوكسفام»، مستندة في ذلك إلى حجج واهية تتمحور حول ادعاءات بانتماء بعض الموظفين إلى حركة حماس، أو استيلاء الحركة على المساعدات الإنسانية. ولم تكتفِ السلطات بهذا الإجراء، بل تجاوزته إلى المطالبة بتطبيق نظام توثيق شامل يتضمن الكشف عن هويات جميع العاملين في هذه المنظمات وبيانات أقاربهم، فضلاً عن مراقبة ما ينشرونه عبر منصات التواصل الاجتماعي من انتقادات موجهة للسياسات الصهيونية. وسبق ذلك حظر وكالة الأونروا استنادًا إلى مزاعم لا أساس لها تتعلق بتغلغل عناصر من حماس داخل هيكلها التنظيمي.
تكمن الخطورة البالغة في هذا المسعى في أن تسليم قوائم بأسماء العاملين الفلسطينيين في المجال الإنساني يرقى عمليًّا إلى مستوى إصدار أحكام إعدام مسبقة بحقهم، خاصة في ضوء السجل الموثق لاستهداف الكيان الصهيوني لأكثر من خمسمائة عامل في قطاع الإغاثة الإنسانية. وهذا تحديدًا ما يسعى إليه الكيان المجرم في إطار استراتيجيته الممنهجة.
أما بشأن ما يُعرف بـ»الخط الأصفر» الذي رسمه الكيان واستحوذ على أكثر من نصف مساحة القطاع، فإنه يمثل في جوهره فخًّا استراتيجيًّا جديدًا لاستهداف المدنيين. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الترسيم من إجراء مؤقت إلى حدود فعلية دائمة، في تطور يتجاوز مفهوم التدبير الطارئ. وتتردد معلومات استخبارية حول نوايا القوات الصهيونية للاحتفاظ بهذه المساحة لفترة زمنية غير محددة تحت مسمى «المنطقة الخضراء»؛ حيث ستشهد مشاريع إعادة بناء وتطوير بنية تحتية، بينما يُترك القسم المتبقي من القطاع في حالة دمار شامل، عرضة لاستمرار الإبادة دون انقطاع.
يتضمن هذا الترسيم الجغرافي السيطرة على أخصب الأراضي الزراعية في قطاع غزة، في حين يُدفع السكان الفلسطينيون نحو الكثبان الرملية على شاطئ البحر. وقد شرع الكيان بالفعل في إقامة نقاط عسكرية محصنة داخل نطاق ما تصفه بـ»المنطقة الخضراء»، إضافة إلى منشآت استراتيجية أخرى لا تزال في طور التخطيط.
ضمن حدود «الخط الأصفر»، المقرر تسميته رسميًا بـ»المنطقة الخضراء»، يجري التخطيط لإنشاء ما يُوصف بـ»مجتمعات آمنة»، وهي مجمعات سكنية محاطة بأسوار عازلة وتخضع لرقابة أمنية مكثفة على مدار الساعة. سيُتاح لعدد محدود للغاية من سكان غزة الإقامة في هذه المجمعات بعد اجتياز إجراءات فحص أمني صارمة ومتعددة المستويات، على أن يسكنوا في وحدات سكنية جاهزة الصنع أو حتى حاويات الشحن المعدلة، مع فرض حظر تام على أي فرد له ارتباطات بحركة حماس أو سبق له العمل في أي منصب حكومي أو إداري خلال فترة حكمها. ستكون المرافق الأساسية كدورات المياه والحمامات جماعية ومشتركة، في نموذج يجسد أبشع صور الإذلال والتجريد من الكرامة الإنسانية. وبتعبير أوضح، سيتم إعادة توطين «المحظوظين» من الفلسطينيين في معازل مغلقة تشبه السجون، محرومين من أدنى مقومات الحرية في التنقل أو التواصل مع ذويهم، وهو ما يفسر رفض المنظمات الإنسانية الدولية القاطع للمشاركة في تنفيذ هذا المخطط.
تندرج هذه المخططات بأكملها، بما تنطوي عليه من مظاهر خادعة تخفي حقيقة لا إنسانية مروعة، ضمن إطار المرحلة الثانية من الاتفاق التي أعلن الرئيس ترامب عن دخوله ، إلا أن السلطات الإسرائيلية تعمد إلى تعطيلها مستندة إلى ذريعة عدم إعادة حماس لرفات الجنود الإسرائيليين المتبقين. وبالتوازي مع ذلك، تجر ي عمليات تدريب مكثفة لقوات شرطة فلسطينية لتشكل النواة الأساسية لما يُطلق عليه «قوة حفظ الاستقرار الدولية»، التي يرأسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا، وهو الذي يعلن علنًا انحيازه المطلق للجانب الإسرائيلي، بينما يُوكل مهمة التفاوض إلى مبعوثين صهاينة معروفين بمواقفهم المتشددة لتمثيل المصالح الإسرائيلية.
لا يتوقف الرئيس ترامب عن استخدام خطاب نزع سلاح حركة حماس كذريعة إضافية لإضفاء الشرعية على استمرار حملة الإبادة.
هل يمكن وصف ما يجري بأنه السلام الموعود الذي روّجت له الأطراف المعنية؟ إن صحّ لنا استخدام مصطلح «سلام»، فإنه يتجسد في أبشع صوره وأكثرها قبحًا. فالواقع المعيش في قطاع غزة يشهد تدهورًا كارثيًا متسارعًا؛ إذ يعيش أكثر من مليون ونصف المليون مواطن نازح في مخيمات من الخيام البالية التي لا توفر أدنى حماية من قسوة الطقس والأمطار والبرد القارس، في ظل انتشار مجاعة حادة، بينما تتواصل عمليات الإبادة الممنهجة بصمت بعيدًا عن الأضواء الإعلامية، فيما لم تسفر إدارة الرئيس ترامب عن أي إنجازات ملموسة تُذكر. ويبدو جليًا أن عودة الحياة الطبيعية للفلسطينيين باتت احتمالًا بعيد المنال، بل إن مشروع التهجير القسري، وفق قراءة تحليلية معمقة، لم يعد مجرد سيناريو محتمل بل مسألة توقيت يُعدّ لها بدقة وعناية فائقة، لتصبح الخيار الوحيد المتاح أمام سكان القطاع في ظل كارثة إنسانية مُصممة بإحكام ومُهندَسة بعناية. ــ الدستور