عريب الرنتاوي : الحرب الأمريكية على إيران...أكثر من "أربعة سيناريوهات وثلاثة نماذج"
كتب: الأستاذ عريب الرنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات السياسية
غيوم داكنة، تظلل سماء السياسة والإعلام في المنطقة الممتدة من قزوين حتى شرق المتوسط، ومن شواطئ المندب والأحمر، حتى ضفاف دجلة والفرات، من دون أن ننسى الجبهة المفتوحة على غزة، والتي لم تضع أوزارها بعد مرور ما يقرب من المئة اليوم على اتفاق وقف إطلاق النار .... سيناريوهات تتطاير هنا وهناك، ونماذج تُستحضر لوصف وتشخيص ما قد يحصل، خصوصاً على الجبهة الإيرانية.
الوضع جدي، بل وجدي جداً، بعيداً عن سياسة التهويل والتخويف، التي تمارسها أطراف من داخل المنطقة، وبالأخص، من خارجها، وليس من الحصافة في شيء، مقابلة "التهويل" بـ"التهوين"، فاللاعبون، دولاً وحركات وفصائل، لا يمتلكون ترف البناء على أفضل السيناريوهات، بل الاستعداد لمواجهة أسوئها، الأمر الذي يبرر إجراء "جولة أفق" في أنماط التفكير السائد.
سيناريوهات أربعة
ثمة سيناريوهات أربعة، يجري تداولها في مختلف الأوساط السياسية والإعلامية، ليس لها الوزن ذاته بالطبع، وأوزانها وترجيحاتها، تختلف باختلاف الطرف الذي يتحدث عنها، أو يروّج لها:
أولها؛ سيناريو "المزيد من الشيء ذاته"، ويقوم على إبقاء واشنطن على أدواتها القديمة في التعامل مع إيران، مع ميل أكثر كثافة لتشديد العقوبات والرقابة على تنفيذها، ملاحقة "أسطول الظل" لمنع إيران من تصدير نفطها، حملات إعلامية و"حرب نفسية"، تزامناً مع تنفيذ عمليات سيبرانية، وتشجيع إسرائيل على القيام بعمليات استخبارية داخل إيران، ضد أشخاص أو منشآت، لتعميق أزمة إيران وإضعاف هيبة نظامها وقيادتها، مع الإبقاء على سيف التهديد بالقتل و"تقطيع الرؤوس" على رقاب مروحة واسعة من القيادات الإيرانية، السياسية والعسكرية والعلمية والروحية، لإبقائها في حالة استنفار وتوتر، وإرباك منظومة القيادة والسيطرة والتحكم.
هذا ما تقوم به واشنطن وتل أبيب اليوم، وبكل كدّ واجتهاد، بيد أنه من غير المرجح، أن يقتصر السلوك العدواني للحليفتين الاستراتيجيتين على هذه الأدوات، فهي مهمة كمرحلة تحضيرية لما سيليها، ولكنها بعد 47 عاماً من عمر الثورة، لم تعد كافية بحد ذاتها، لتلبية مصالح مصلحة واشنطن وتل أبيب، أو لإرضاء غرور القوة و"غطرسة الزعامة" ونرجسية دونالد ترامب، "الذي إن قال فعل"، وستتناقص حظوظ هذا السيناريو إذا ما تصاعدت المواجهات في الشوارع والميادين الإيرانية، وهذا ما تعمل تل أبيب على تأجيجيه، بتعاون وثيق مع "معارضات منظمة"، لحفز ترامب على الانتقال لسيناريو أكثر خشونة، وأشد إيلاماً، وما المبالغات في تصوير أعداد المتظاهرين و"تقدير" أعداد الضحايا من قتلى وجرحى ومعتقلين، سوى محاولة من هذه الأطراف، لإحراج ترامب، ودفعه للوفاء بتعهده ضرب إيران إن هي "قتلت" المتظاهرين.
ثانيها، عدوان أمريكي-إسرائيلي مشترك؛ وهو سيناريو أكثر ترجيحاً واحتمالاً من الأول، ويقضي بقيام قيام واشنطن وتل أبيب، بتنفيذ ضربات عسكرية، جوية وصاروخية، ضد أهداف إيرانية استراتيجية، تشمل منشآت عسكرية، ومعسكرات وقيادات للحرس الثوري بخاصة، ومصانع لإنتاج الصواريخ، وربما العودة إلى منشآت نووية، في استعادة موسعة أو طبق الأصل، لجولة الأيام الـ"12" في حزيران الفائت.
ويهدف هذا السيناريو تفكيك منظومة القيادة والسيطرة، وإضعاف دور الحرس وولاية المرشد... إضعاف هيبة النظام ومكانته، وتعزيز الاحتجاجات وتوليد معارضات من داخل النظام، وتشجيع المعارضات الأخرى على تفعيل أدوارها، لقلب نظام الحكم في البلاد.
يستحضر المتحمسون لهذا السيناريو، ثلاثة نماذج للتغيير نجحت واشنطن وحلفائها في تنفيذها خلال ربع القرن الأخير..."النموذج العراقي"، وما ترتب من فوضى وإرهاب وصراعات متناسلة، وهو في الحالة الإيرانية، سيكون أشد وبالاً على الإقليم والعالم، فإيران دولة إقليمية كبرى، وتسعين مليون إيراني، سيأكلون الأخضر واليابس إن اندلعت الفوضى وحروب المكونات والهويات، وشرارات الانقلاب في المشهد الإيراني وشظاياه، ستطاول الإقليم، ولن تبقى داخل حدودها، وستطاول القارة الأوربية والعالم، على شكل موجات هجرة وإرهاب وعنف أعمى...ما لم يكن فشل واشنطن في التعلم من دروس تجاربها السابقة، مزمناً، فلن تقدم إدارة ترامب على أمرٍ كهذا.
النموذج السوري"، ويقال إنه نابع من فشل "استراتيجية بناء دولة الأمة" التي روجت إليها إدارة جورج بوش الآن، في العراق وأفغانستان، ليس له ما يعزز فرصه في إيران، فنظام الأسد لم يسقط بثورة ولا بفعل زحف المعارضة، بل بفعل حجب الحلفاء دعمهم ومظلتهم عنه، بعد أن تهرّأ من الداخل، وليس في إيران "هيئة تحرير الشام"، ولا مناطق "محررة" تبسط المعارضات سيطرتها عليها، وليس ثمة من جوار إقليمي، قادر أو حتى راغب، بالقيام بالأدوار التي قامت بها تركيا وغيرها، قبل الثامن من ديسمبر 2024 وبعده...أي حديث من هذا النوع، يفقد قيمته وسياقه.
مراقبون آخرون، يستحضرون" النموذج الفنزويلي" الذي ما زال "طازجاً" في الأذهان وعلى الشاشات وصفحات الصحف الأولى، لأن تجدد قرع طبول الحرب على إيران، تزامن مع إقدام واشنطن على اختطاف الرئيس الشرعي لفنزويلا، من قصره الحصين.
هذا النموذج يُستحضر بوصفه تعبيراً عن "نضج طارئ" على أداء السياسة الأمريكي، التي اكتفت بقطع رأس النظام، وأبقت على مؤسسات الحكم والدولة تفادياً للانزلاق إلى قعر مستنقع جديد، وخوفاً من إطلالة شبح الفوضى والصراعات المتولّدة عليه ... لا "رأس واحداً" في إيران يجري قطعه، فتنتهي المشكلة، إذ حتى بفرض أسوأ سيناريو: استهداف المرشد الأعلى (بالقتل لا بالاختطاف)، فسيكون هناك مرشداً آخراً صبيحة اليوم التالي، ومصادر القوة في الجمهورية الإسلامية، موزعة على مراكز عدة، وإيران دولة كبيرة، وبعيدة عن مراكز القوة الأمريكية والإسرائيلية على حد سواء.
ثالثها: سيناريو الضربة المزدوجة، وتقاسم المهام، كأن تتولى واشنطن ضرب أهدافٍ إيرانية، وتترك لإسرائيل أمر التعامل مع حزب الله في لبنان...وينطلق الحديث حول هذا السيناريو، من فرضية تباين الأولويات الأمريكية عن الإسرائيلية في إيران وحولها، ففيما تضع تل أبيب إسقاط النظام، وإشاعة الفوضى والتقسيم، على رأس أولوياتها، باعتبار أن تهديد إيران الوجودي لإسرائيل، سيظل قائماً ما بقي النظام، فإن واشنطن ربما تميل للتغيير من داخل النظام، وليس على أنقاضه، هنا، وفي هذه الجزئية بالذات، يمكن الإشارة إلى وجه واحدٍ للتشابه مع "النموذج الفنزويلي"، لا أكثر.
ومن أجل ضمان ألا تخرج العملية العسكرية، عن أهدافها، فتجد واشنطن متورطة في بحرٍ متلاطم الأمواج، يرجح فريق من المراقبين سيناريو كهذا، ويرون أن العملية القادمة ستستهدف أساساً، مواقع استراتيجية حساسة ومراكز وقيادات للحرس الثوري، وداعميه من التيار الثوري، على أمل أن يفضي ذلك، إلى "تصعيد" تيار إصلاحي معتدل، متجاوب مع المطالب الأمريكية، كما يجري اليوم في فنزويلا، فتكون بذلك قد ضربت عصفورين بحجر واحد: أسقطت النظام الثوري، وحالت دون انفجار براكين الغضب والفوضى التي تخشاها بدورها، كما تخشاها دول المنطقة وشعوبها.
في هذه الأثناء، تتولى إسرائيل تزامناً، تنفيذ عملية "إغلاق الحساب" مع حزب الله، وهي العملية التي تجد تشجيعاً من واشنطن (ضوء اخضر)، وتلقى تأييد من المعارضة والرأي العام الإسرائيليين، ولا تتحرك سوى دول قليلة في المنطقة، لمنع حدوثها
رابعها: سيناريو ضربة إيرانية استباقية، يجري تداول هذا السيناريو في إسرائيل بخاصة، ويجري العمل على مواجهته، كما لو كان السيناريو الأكثر ترجيحاً، رغم أن جهات عدة، تستبعده، إن لجهة حاجة طهران سياسياً وقانونياً، لئلا تكون صاعق تفجير للحرب المقبلة، أو لجهة عدم قدرة إيران على ردع أي عمل عسكري ومنع ضربات "اليوم التالي" التي ستكون مبررة بالطبع، وقاسية كما لم يحصل من قبل، ومؤيّدَة دولياً وإقليمياً على نطاق أوسع، فيما حلفاء طهران في موسكو وبكين، سيواجهون حرجاً في إسناد طهران إن هي أطلقت الصاروخ الأول.
الحرب، مرجحة أم مؤكدة؟
الحرب، أو جولة جديدة منها، مرجحة، وإن لم تكن غير مؤكدة بعد، وثمة ما يسمى سيناريو "ربع الساعة الأخير"، كأن تتوصل طهران وواشنطن، مباشرة أو عبر الوسطاء، لصفقة شاملة، تدفع شبح الحرب، نظير "تنازلات" يقدمها الجانب الإيراني في برنامجه النووي، ونظير صفقات مالية واقتصادية وتجارية مع "رجل الصفقات "، ترضي بقدر ما، شهيته المفتوحة وغروره الاستثنائي، صفقة قد تكون مؤلمة للجانب الإيراني، حتى وإن كان ثمنها، منع الحرب.
لكن في حال لم يحدث ذلك، فإن نجاح إيران، في إلحاق خسائر ملموسة في الجانب الأمريكي (والإسرائيلي)، سيما في موارده البشرية، كفيل بكسر موجة الغطرسة وإنهاء حفل الجنون في البيت الأبيض، وليس مطلوباً من إيران أن تنتصر في المواجهة القادمة، المطلوب منها على أقل تقدير، الصمود والثبات، وتكبيد المعتدين خسائر في الأرواح، يصعب معها التفكير بمواصلة هذه "البلطجة"، سيما من قبل رئيس جاء إلى السلطة، بشعارات إنهاء الحروب القائمة، وضمان عدم اندلاع المزيد منها...ترامب يدرك أن قاعدته الناخبة، لن تتسامح معه، ولا مع حزبه، إن هو قاد البلاد والعباد لمزيد من المغامرات خارج الحدود، مستحدثاً نزفاً جديداً في الموارد والأرواح.
إيران، لا تشبه أياً من الدول التي سجلت فيها واشنطن نجاحات متفاوتة في لعبة "إسقاط الأنظمة وتغييرها"، والمؤكد أن الحرب إن اندلعت، ستنتج تجربة فريدة في مجرياتها وما بعدها ... على أن الجولة القادمة من الصدام، إن وقعت، ستكون حاسمة، لجهة إعادة توزين القوى والاصطفافات، وربما إعادة تشكيل صورة الشرق الأوسط الكبير وخرائطه، ولسنوات وعقود عديدة قادمة.