الأخبار

د. خالد الحريرات البطوش : الضربة الوقائية: عملية فنزويلا أحدث مثال

د. خالد الحريرات البطوش : الضربة الوقائية: عملية فنزويلا أحدث مثال
أخبارنا :  

« انما العاجز من لا يستبد»، المنطق المحمول في هذا الشطر من شعر عمر بن ابي ربيعة قبل اكثر من الف عام في قلب الصحراء العربية لم يتغير كثيرا في العصر الحديث، فإغراء القوة واحد في كل حين، وعندما تجتمع لدولة الترسانة العسكرية والمتانة الاقتصادية والنفوذ السياسي، كيف يمكن لها مقاومة اغراء استخدامها، وما الذي يمنع الولايات المتحدة من تصريف فائض القوة في تحقيق مصالحها؟
القانون الدولي قواعد بلا مخالب تفرض الالتزام بها، وبعد تجربة مريرة في الحرب العالمية الثانية، حاول ميثاق الأمم المتحدة ان يحد من استخدام القوة ضد سيادة الدول، ولكن منطق القوة تسلل في صورة حق النقض (الفيتو) للدول الكبرى في المجلس المعني بحفظ الامن والسلم الدوليين على سبيل اغراء القوى النووية للقبول وانجاح فكرة المنظمة الدولية الوليدة، لكن تلك المكنة لم تنجح الا في عرقلة استخدام القوة الجماعية ضد الدول المارقة طالما انها في صف دولة عظمى، أما الحق الشرعي في دفاع الدول عن نفسها وما كرّسه من عدالة ومساواة لجميع الدول فقد حمل بذور الخروج على ذات المفهوم الذي حرص على صيانته الى حدّ شرعنة الخلل في موازين القوى لصالح الدول الكبرى، ليكتشف العالم لاحقا ان الشيطان في التفاصيل، فقد نسلت القوى الكبرى من هذا الحق نظرية الحرب الاستباقية والوقائية التي تتيح لها مهاجمة دول أخرى لمجرد وجود خطر يتهدد مصالحها دون انتظار الهجوم الفعلي من تلك الدولة، بمعنى الاكتفاء بوجود خطر محتمل لتبرير الهجوم ولو لم يقع ضرر، انطلاقاً من الاعتقاد بأن الصراع العسكري وإن لم يكن وشيكاً فهو حتمي، وأن تأجيله ينطوي على مخاطر أكبر.
اختبرت الولايات المتحدة الحرب الوقائية في العراق وأفغانستان التي تبعد الاف الاميال، لكن في اميركا اللاتينية تجاوز الامر التذرع بالتهديد العسكري، وبقي مبدأ مونرو تعبيرا حقيقيا عن خصوصية هذه المنطقة التي تعتبرها الولايات المتحدة حديقتها الخلفية، وبذلك لم تكتف الإدارات الأميركية بالتهديدات التقليدية في المجال الأمني وانما وصلت الى التهديدات الاجرامية والاقتصادية لتسويغ التدخل العسكري في تلك الدول كإمتداد للحرب على المخدرات او تأمين حرية الملاحة او امدادات النفط، والعصا الغليظة التي نصح روزفلت بالتلويح بها لم يتردد ترامب في استخدامها بإعتقال رئيس دولة بحجة مكافحة المخدرات.
وفرة النفط في فنزويلا يسيل لها اللعاب، وشهية اميركا المفتوحة لا تحتاج الى الصراحة التي يتبرع بها الرئيس ترامب، لكن المصلحة الأميركية التي تفضحها الأفعال قبل التصريحات لا يمكن أن تخفي مصالح قوى سياسية واقتصادية في فنزويلا ذاتها كان لها ثلثي الرغبة في ما حصل، وكل هذا الإبهار بالتفوق في عملية اعتقال الرئيس على طريقة الإثارة في الأفلام الأميركية لم يكن لها ان تنجح لولا وجود مصالح لتلك القوى التي لم تعد قادرة على مقاومة الرفاه المرتبط باقتصاد النفط الذي حرمت منه جراء الحصار والعقوبات الاقتصادية منذ سنوات طويلة، ومن الواضح ان تكلفة شق عصا الطاعة ليست محل اجماع هناك، وقد بدأت بالفعل تعاقدات تضع النفط الفنزويلي على طريق المنافع المشتركة.
لطالما تحفّظت أميركا على نظام الأمم المتحدة، واتهمته بالعجز عن تحقيق الامن والسلم، والصراعات والحروب المنتشرة في العالم تعفيها من الدليل، ولعل الحرب الوقائية والاستباقية التي تجاوزت التنظير الى التنفيذ تحدد ملامح مرحلة جديدة في القانون الدولي، ترسم فيها المصالح وليس القيم حدود اللجوء الى القوة، عندها يغدو تجنب النظام العالمي الجديد ليس خيارا، فما حصل في فنزويلا مرشح للتكرار في أميركا اللاتينية وغيرها وفي الشرق الأوسط، والأنظمة التي لها رأي آخر ستكون امام خيارات صعبة. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك