الأخبار

أ. د. ليث كمال نصراوين : الأردن في مواجهة استهداف الأونروا

أ. د. ليث كمال نصراوين : الأردن في مواجهة استهداف الأونروا
أخبارنا :  

أقرّ الكنيست الإسرائيلي قبل أيام مجموعة من التشريعات التي تستهدف إعاقة وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، من خلال فرض قيود مباشرة على أنشطتها الإنسانية، ومنع تزويد منشآتها ومبانيها بالمياه والكهرباء، وحظر أي تواصل رسمي مع الوكالة أو ممثليها. وتسعى حكومة الاحتلال، من خلال هذه القوانين الداخلية، إلى نزع الشرعية القانونية عن هذه الوكالة الأممية وتجفيف منابعها، وتحويل الخلاف السياسي معها إلى إجراءات قانونية داخلية شاملة تمس وجودها ووظيفتها وحصاناتها، وصولًا إلى اعتبارها كيانًا محظورًا بموجب القانون الداخلي الإسرائيلي.

ويأتي الاستهداف الإسرائيلي المستمر للأونروا في سياق السعي إلى إضعاف دورها بوصفها شاهدًا دوليًا على قضية اللاجئين الفلسطينيين؛ إذ لا يقتصر وجودها على تقديم خدمات إغاثية إنسانية، بل يشكّل تأكيدًا قانونيًا على أن قضية اللاجئين ما تزال دون حل، وأن حقوقهم، وفي مقدمتها حق العودة، قائمة بموجب قرارات الشرعية الدولية. وعليه، فإن أي مساس بالأونروا لا يستهدفها كمؤسسة فحسب، بل يطال الإطار القانوني الدولي الذي يصون قضية اللاجئين ويحول دون تصفيتها خارج حل سياسي عادل.

إن هذه الخطوات التصعيدية تُعدّ خروجًا واضحًا عن منظومة القانون الدولي؛ فالأونروا أُنشئت بقرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، ولا تملك أي دولة عضو، مهما بلغت قوتها، صلاحية تعطيل أو تقويض تفويض أممي عبر تشريع وطني أحادي. كما أن إسرائيل، بصفتها قوة احتلال، تبقى ملزمة بموجب اتفاقيات جنيف، ولا سيما الاتفاقية الرابعة، بتسهيل عمل الهيئات الإنسانية وضمان وصول المساعدات إلى السكان المدنيين في الأراضي المحتلة، لا عرقلتها أو تجفيف مصادرها.

في هذا السياق، جاء الموقف الأردني، بإدانته الصريحة لهذه التشريعات الإسرائيلية، منسجمًا مع مقاربة قانونية وتاريخية تنطلق من موقفه الثابت من قضية اللاجئين الفلسطينيين. فالأردن لا يتعامل مع الأونروا باعتبارها مجرد جهة إغاثية إنسانية، بل ينظر إليها كجزء من البنية القانونية الدولية التي حافظت على الطابع السياسي لقضية اللجوء الفلسطيني، ومنعت اختزالها في إطار إنساني مؤقت أو إداري قابل للتفكيك.

ويُفهم هذا الموقف الأردني بصورة أعمق عند التوقف عند خيار قانوني أساسي اتخذته المملكة منذ عقود، تمثّل في عدم التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951، ولا على البروتوكول الملحق بها لعام 1967. فهذا الخيار لم يكن رفضًا لحماية اللاجئين، بل قرارًا وطنيًا واعيًا فرضته خصوصية الحالة الفلسطينية، التي لا تنسجم مع الفلسفة القانونية التي قامت عليها هذه الاتفاقية الدولية.

فقد صيغت هذه الاتفاقية للتعامل مع أوضاع لجوء فردية، انطلاقًا من قاعدة أساسية مفادها أن اللجوء مؤقت بطبيعته، فأفردت مجموعة من الحلول القانونية أمام الدول الأعضاء للتعامل معه، قائمة على إدماج اللاجئين في دولة اللجوء ومنحهم جنسيتها الوطنية، أو إعادة توطينهم في دول أخرى. غير أن هذا المنطق الدولي يتعارض جوهريًا مع طبيعة اللجوء الفلسطيني، الذي نشأ نتيجة اقتلاع جماعي قسري، ويرتبط بحق سياسي جماعي ثابت لا يجوز المساس به، يتمثل في حق العودة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على التراب الوطني.

لقد خشي الأردن من أن يؤدي التصديق على اتفاقية عام 1951 إلى إعادة توصيف اللاجئين الفلسطينيين بوصفهم لاجئين عاديين، تنطبق عليهم حلول التوطين الدائم، بما يفتح الباب أمام تذويب هويتهم الوطنية، ويُستخدم لاحقًا لإعفاء دولة الاحتلال من مسؤولياتها القانونية والتاريخية تجاه قضية اللجوء، وتحويل عبء هذه القضية إلى الدول المضيفة.

لهذا السبب، اختار الأردن مسارًا قانونيًا بديلًا تمثّل في تنظيم علاقته مع الأونروا عبر اتفاقيات ثنائية، أبرزها الاتفاقية الموقعة عام 1994، والتي عُنيت بتنظيم الجوانب الإجرائية لعمل الوكالة، وأرست إطارًا متكاملًا يحدد طبيعة وجودها وصلاحياتها داخل المملكة. فقد نظّمت مسألة الامتيازات والحصانات الممنوحة للأونروا وموظفيها، بما يضمن استقلالها الوظيفي، ومنحت الوكالة الحق في إدارة برامجها التعليمية والصحية والإغاثية وفق تفويضها الأممي، وبالتنسيق مع الدولة الأردنية، دون أن يترتب على ذلك أي تغيير في الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين أو تحميل الأردن التزامات تمس مبدأ رفض التوطين.

وبهذا المعنى، لم تكن هذه الاتفاقية مجرد تنظيم إداري، بل أداة قانونية حافظ الأردن من خلالها على الطابع الدولي لقضية اللاجئين، وأبقى مسؤولية حمايتهم وتقديم الخدمات لهم ضمن إطار أممي جماعي، لا ضمن التزامات وطنية دائمة قد تُفسَّر لاحقًا باعتبارها قبولًا بحلول تتعارض مع حق العودة.

وعليه، فإن استهداف الأونروا عبر تشريعات إسرائيلية داخلية لا يُنظر إليه في الأردن كإجراء محلي أو شأن داخلي، بل بوصفه مساسًا مباشرًا بالترتيبات القانونية التي اعتمدها المجتمع الدولي، وبالمسار الخاص الذي اختاره الأردن لحماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين ومنع تصفية قضيتهم.

إن تشريعات الكنيست الأخيرة ضد الأونروا تُظهر بوضوح خصوصية الموقف الأردني، الذي لم تقتصر مساهماته على الجوانب العسكرية والمواقف السياسية، بل امتدت إلى خيارات قانونية واعية هدفت إلى حماية جوهر قضية اللاجئين. فالدفاع عن الأونروا هو دفاع عن حق العودة، وعن الشرعية الدولية، وعن نظام قانوني يفقد معناه إذا سُمح لقوة الاحتلال بإعادة صياغته وفق قوانينها الداخلية.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

laith@lawyer.com

مواضيع قد تهمك