الأخبار

د. محمد كامل القرعان : اختبار المناعة الوطنية: التعليم والإعلام بوصفهما خط الدفاع الأول

د. محمد كامل القرعان : اختبار المناعة الوطنية: التعليم والإعلام بوصفهما خط الدفاع الأول
أخبارنا :  

د محمد كامل القرعان
لم يعد اختبار المناعة الوطنية محصورًا في حدود السياسة التقليدية أو موازين القوة الصلبة، بل انتقل إلى ساحة أكثر حساسية وعمقًا: ساحة الوعي العام. فالدول اليوم تُختبر بقدرتها على حماية عقول أبنائها بقدر ما تُختبر بحماية حدودها، وبمدى امتلاكها مشروعًا وطنيًا واضحًا لتشكيل الوعي لا تركه عرضة للتأثيرات الخارجية والفراغ الفكري.

إن الحديث عن المناعة الوطنية يفرض علينا الانتقال من التشخيص إلى الفعل. فإذا كان الوعي هو خط الدفاع الأخير، فإن المدارس والجامعات والنوادي الثقافية والمنتديات الفكرية هي خنادق هذا الدفاع. ومن هنا، تصبح الحاجة ملحّة لفرض منهاج وطني فكري يُدرّس في المدارس والجامعات، لا كمادة إنشائية أو خطابية، بل كمجال معرفي نقدي، يعلّم الطلبة كيف يفكرون، لا ماذا يفكرون.

منهاج وطني يناقش القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية بكل صراحة ومسؤولية، ويقدّم فهمًا عميقًا لمفاهيم الدولة، والسيادة، والمصلحة الوطنية، والعلاقات الدولية، ويُدرّب الأجيال على التمييز بين الحوار والتأثير، وبين الانفتاح والتبعية، وبين الاختلاف والانقسام. فالمجتمع الذي لا يملك أدوات الفهم، يصبح عرضة لإعادة التوجيه مهما حسنت نواياه.

وبالتوازي مع التعليم، يبرز دور الإعلام الوطني الجريء بوصفه شريكًا أساسيًا في تحصين الوعي. إعلام لا يكتفي بنقل الوقائع، بل يفتح الملفات، ويطرح الأسئلة الصعبة، ويناقش القضايا الحساسة دون تهويل أو تمييع. إعلام يثق بالمواطن، ويحترم عقله، ويؤمن أن الصراحة هي أساس الاستقرار، لا تهديد له.

أما النوادي الثقافية والمنتديات الفكرية، فعليها أن تتحول من مساحات نخبوية مغلقة إلى منصات حوار وطني مفتوح، تستهدف الشباب والطلبة، وتناقش الواقع كما هو، لا كما نحب أن نراه. فغياب النقاش الوطني المنظم يخلق فراغًا، والفراغ هو أخطر ما يواجه المناعة الوطنية.

إن أخطر التحديات التي تواجه الدول اليوم ليست الضغوط المباشرة، بل إعادة تشكيل الوعي ببطء، عبر خطاب ناعم، ورسائل متكررة، ومساحات رمادية تُرسم حول القضايا الواضحة. وهنا يُقاس مستوى المناعة الوطنية الحقيقي: بقدرة المجتمع على الفهم، لا بردة الفعل، وبقوة الوعي، لا بعلو الصوت.

الخلاصة:
إن اجتياز اختبار المناعة الوطنية لا يكون بالشعارات ولا بالمواقف المؤقتة، بل ببناء مشروع وطني متكامل قوامه تعليم واعٍ، وإعلام شجاع، ومؤسسات ثقافية فاعلة. فحين يكون الوعي حاضرًا، تصبح كل محاولات التأثير محدودة الأثر، ويبقى الوطن عصيًّا على الاختراق، مهما تغيّرت الأدوات وتبدّلت الأساليب.

مواضيع قد تهمك