صالح الراشد : دول العالم تبني جدران العزلة وهكذا نحطمها
صالح الراشد
جدران بين الولايات المتحدة والمكسيك وأخرى بين الكيان الصهيوني وفلسطين ولبنان وجديدة بين العراق وسوريا، والغاية سياسية أو أمنية وقد تكون اقتصادية، فالولايات المتحدة تريد حماية أراضيها من دخول المكسيكيين بطرق غير رسمية ولوقف الهجرة غير الشرعية وتدفق المخدات والتهريب، وتريد العراق أن لا يدخل أراضيها أحد بطرق غير شرعية والحد من دخول الراغبين بالقيام بعمليات عسكرية، في المقابل يرفع الكيان الصهيوني ويزيد من جدرانه لمنع أهل الأرض من العودة لأراضيهم، ولوقف دخول السلاح والثوار لتلك الأراضي، وقبلها جميعاً تم إنشاء جدار برلين ليفصل العاصمة الألمانية إلى جزئين شرقي وغربي ويمنع سكان الشرق من الهروب صوب الغرب، وأسقط الألمان هذا الجدار وهو ما يعني أن جميع الجدران قابلة للتحطيم، وأن حضن الإنسانية هو الأقوى للحفاظ على البشرية.
والجدران بين الدول متنوعة وليست مصنوعة في مجملها من الأسمنت الحديد فقط، فهناك خطوط جدارية لا تحجب الرؤيا ومنها خط التماس في قبرص الفاصل بين القبارصة اليونانيين والأتراك، والمنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين وتعتبر أكثر الجدران غير المرئية تحصينًا في العالم والاقتراب منها غاية في الخطورة، وهناك الجدران الثقافية التي تكون سبباً رئيساً في عزلة الشعوب عن بعضها وتنشأ بسبب اختلاف اللغات والعادات، فاللغة تسهل من عملية التعامل بين البشر وعدم فهمها قد يكون جداراً صلباً يمنع التفاهم، فيما العادات والقيم تساهم في صناعة فكر مختلف في التعامل الاجتماعي، لنجد ان ما يتقبله مجتمع من غذاء وملابس يرفضه آخر.
وتعتبر الجدران الدينية أشد الأنواع وأصلبها كون التنازل عنها شبه مستحيل، ويتمترس كل طرف وراء تعاليم دينه من اختلاف العقائد وطرق العبادة والتشريعات، لتكون الحروب الدينية الأشد فتكاً بين الحروب فاستمرت الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت لقرون، والحرب اليهودية على فلسطين اضافة لحروب المسلمين لاختلاف المذاهب لسنوات طوال، والتوتر المستمر بين الهندوس والمسلمين في الهند ودول الجوار .
ولا تقل خطورة الجدران السياسية عن غيرها من الجدران، إذ كانت السبب في حربين عالميتين ساهمت في قتل ملايين البشر، كما نشأت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، والتي عملت على تقسيم العالم لمعسكرين شرقي وغربي وفرض كل منهم العقوبات على الآخر وأجبر كل طرف على زيادة التسلح، وظهر الجدار الاقتصادي بين الشعوب بسبب ارتفاع مستوى الدخل وبرز عربياً بالفارق بين سكان الخليج العربي وبقية الدول، إضافة للفجوة الاقتصادية بين الجنوب الفقير والشمال الغني بسبب الموارد الطبيعية الضخمة للبعض فيما الغرب الأوروبي يعمل على نهب خيرات الدول الفقيرة ليكون غنياً، فيما تُشكل الجدران الاجتماعية القائمة على الطبقية والعنصرية جدار فصل عنصري بغيض، أما أعمق الجدران وأصعبها فهي النفسية لأنها غير مرئية وتتشكل عبر التاريخ والمشاعر وتتسبب في الخوف المتبادل والكراهية المتوارثة بفعل القصص المتداولة كما في الكوريتين.
ويحتاج التخلص من الجدران المادية إلى اتفاقات سياسية وتفاهمات شعبية قائمة على مفاوضات سلام واتفاقيات دولية واضحة لجميع الأطراف، ووقف النزاعات وتنظيم العلاقات الحدودية، وصولاً لبناء ثقة بين الطرفين تسمح بفتح طرق للتجارة والسياحة، فيما يستوجب هدم جدران الثقافة إلى التواصل بين الشعوب بفضل تعلم اللغات وتبادل الخبرات والتشاركية في نشاطات متعددة، وتعتبر الموسيقى والرياضة من طرق التواصل ومعرفة الآخر، أما إزالة الجدران الدينية فلا تعني التخلي عن العقيدة إنما فهم الاخر واحترامه والاعتدال وسن تشريعات تمنع التمييز الديني، وتحتاج الشعوب لإزالة الجدران السياسية لإرادة قوية وضغط شعبي، للاتفاق على المصالح المشتركة وخفض الخطاب العدائي في الإعلام الرسمي والشفافية والوضوح في حل النزاعات وعدم وجود نوايا متغيرة، ويجب محاربة الفقر بالتعاون الاقتصادي الدولي لإزالة الجدران الاقتصادية، بزيادة المشاريع المشتركة والاستثمارات والتنمية وتسهيل التجارة الحرة كما فعل الاتحاد الأوروبي، وتعتبر التربية والإعلام أهم مرتكزات إزالة الجدران الاجتماعية وصياغة قوانين تضمن المساواة مع تركيز إعلامي على قصص النجاح، وهناك ضرورة لالغاء التعليم الطبقي في المدارس، ويحتاج العالم للتواصل الحقيقي لإزالة الجدران النفسية والكراهية الموروثة، ونشر مفاهيم العدالة الانتقالية وتطبيقها وفي مقدمتها الاعتذار أو لجان المصالحة.
وقد تفتك جدران العزلة بمن يشيدها كون العالم تحول لقرية صغيرة وقتلت التكنولوجيا الايديولوجيا، فأصبح من الصعب رفض الآخرين وإبعادهم لان الجميع سيكون خاسر، فالدول التي بُنيت الأسوار لحجبها قد ترفض التعامل مع منتجات الدول صاحبة الأسوار، وهو أمر قد يصيب من هم داخل الأسوار بالموت الاقتصادي أو التراجع العلمي وقد يصبح منبوذاً، لذا فان الأسوار الحقيقية لا تتواجد بين الدول بل في عقول القادة ورجال السياسة الذين يعتقدون أنهم محور الأرض، وفي الغالب هذه النوعيات ستختفي في حال عمل دولي مشتركة لإبقائهم في قلاعهم، مع العلم ان إزالة الجدران تحتاج إلى عقول واعية وإرادة سياسية ومؤسسات عادلة وقلوب منفتحة.
آخر الكلام:
مع سقوط كل جدار تكتشف البشرية ان الآخر ليس عدوًا بل إنسان شبيه بالآخر.