السفير علي ابو علي كريشان : أدب البادية بين عبق التاريخ و صدى المنابر
بقلم السفير : علي ابو علي كريشان
أثارت تصريحات الدكتور غسان الاحسن، عضو لجنة التحكيم في برنامج ( شاعر المليون) ، جدلاً واسعاً وردود فعل ناقدة، بعد أن ذهب فيها إلى أن الشعر والشاعر الأردني لم يحظيا بحضور أو معرفة عربية قبل هذا البرنامج. وقد عُدّ هذا التصريح من قبل العديد من المثقفين والشعراء والأدباء الأردنيين ، جهلا و تجاهلاً للعمق التاريخي والجذر الحضاري للشعر النبطي الذي تُعدّ البيئة الأردنية منبعاً رئيسياً له.
في قراءة متأنية للتاريخ الثقافي للمنطقة، نجد أن تسمية ( الشعر النبطي ) ليست محض صدفة، بل هي إشارة مباشرة مشتقة من ( الأنباط) ، وهم اجدادنا العرب الذين أسّسوا واحدة من أعرق الممالك العربية في معان جنوب الأردن، وعاصمتها البتراء الخالدة، قبل أكثر من ألفي عام.
تشير الدراسات التاريخية واللغوية إلى أن لهجة الأنباط العربية شكلت اللبنة الأساسية للتطور اللغوي والأدبي الذي مهّد لظهور الشعر النبطي البدوي بخصائصه المعروفة. وبذلك، فإن أرض البادية الأردنية لم تكن مجرد مسرح لرواية الشعر، بل كانت مهداً أصيلاً لنشأته وتطوره، مما يجعل أي قول بنفي حضوره قبل العصر الإعلامي الحديث تجاوزاً لمسار تاريخي يمتد لآلاف السنين.
لا يمكن إنكار الدور الإيجابي لبرنامج "شاعر المليون" في تسليط الضوء الإعلامي الواسع على عدد كبير من الشعراء الموهوبين من مختلف الأقطار العربية، ومنحهم منصة جماهيرية غير مسبوقة أسهمت في إحياء الاهتمام العام بالقصيدة النبطية.
لكن الفارق الجوهري يكمن في التمييز بين "الشهرة الإعلامية" و"الأصالة التاريخية" بين " الصوت " و " صدى الصوت " . فالبرنامج كأي منبر إعلامي ضخم، نجح في "إظهار" المواهب و"تعميم" حضورها، ولكنه لم يمنح "الشرعية" أو "القيمة الجوهرية" للشعر الأردني؛ فهذه الشرعية مستمدة من تاريخ موغل في القدم، ومن وجود حي استمر عبر القرون في مضارب البوادي الأردنية ومجالسها وحكاياتها وسرديتها الشفهية. باختصار، الحضور الإعلامي معزز، لكنه لا يصنع الجذور.
يمكنني فهم بعض الردود التي حاولت وضع تصريح غسان الاحسن في إطار نقد "أزمة الحضور" المؤسسي للشعر الأردني على الساحة العربية، مقابل "أزمة الإبداع". أي أن المشكلة تكمن في ضعف الآليات والنخب التي كانت قاصرة عن تقديم هذا التراث خارج نطاقه المحلي قبل ظهور المنصات الإعلامية الضخمة.
ومع ذلك، فإن هذا التفسير لا يُعفى صاحب التصريح من مسؤولية الدقة والإنصاف التاريخي. فصياغة العبارة بشكل مطلق، كما وردت، أدت إلى إساءة فهم كبيرة، وشعر الكثيرون بأنها محاولة بائسة و يائسة للمساس بإرثنا الحضاري و موروثنا الشعري والثقافي الضخم ، و محاولة لتقزيمه وقياسه بنتائج ومقاييس غير موضوعية مرتبطة برنامج تلفزيوني عابر، وهو ما يمس الوجدان الجمعي والهوية الثقافية للشعب الاردني العظيم و للأمة الأردنية الغراء التي قدمت للعرب واحدة من أقدم وأغنى و اثرى التجارب الشعرية.
ارى انه من المفيد جدا تحويل هذا الجدل من حالة انفعال عابرة إلى فرصة استراتيجية لإعادة الاعتبار الحقيقي للشعر النبطي الأردني. وهذا يتطلب تحركاً مؤسسياً وجماعياً على عدة مسارات:
· التوثيق والبحث الأكاديمي: دعم الدراسات العميقة التي تؤصل للجذور الأنباطية للشعر النبطي وعلاقته باللهجات العربية البدوية الأصيلة ، تحقيقاً لتوجيهات سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني حفظه الله و رعاه ، في الحفاظ على السردية الوطنية الأردنية.
· تمكين المنصات الوطنية: تطوير برامج ومنصات أردنية رصينة تضاهي في جودتها المؤسسية والإعلامية البرامج الإقليمية، مع الاستفادة من التجارب الرائدة الموجودة أصلاً، مثل برنامج "أدب البادية"، ليكون الاحتفاء بالشاعر والموروث محلياً أولاً، وبمنطق الندية الثقافية لا الاستجداء.
· إدماج التراث في التعليم: إدخال نماذج مختارة من الشعر النبطي الأردني الأصيل ضمن المناهج التعليمية، لتعريف الأجيال الجديدة على عمق هذا التراث الحضاري والتاريخي وإنسانيته، مما يعزز ارتباطهم بتراثهم.
بغض النظر عن النوايا ، فقد كشف هذا الجدل عن حاجة ملحة إلى استعادة الوعي الجماعي بالجذور الثقافية والدفاع عنها بسلاح المعرفة والبحث، وليس بالانفعال فقط. الشعر النبطي الأردني ليس وافداً جديداً على ديوان الشعر العربي ، إنه الابن البار والأكبر لتلك الأرض ولهذه الحضارة ، الحامل في كل قصيدة ذاكرة الأنباط، وروح البادية، وصوت التاريخ. وتبقى الحقيقة الأهم أن المنبر الإعلامي وسيلة لنقل الصوت، لكنه لا يخلق الصوت من العدم، فالأصالة تأتي من الأرض، والشهرة تأتي من الشاشة ، فالحق هو صوت الأرض لا صدى الشاشة.
كل العز والفخر للبادية الأردنية وأدبها و شعرائها. …..