الأخبار

شيرين قسوس تكتب : العاهرة والشرف

شيرين قسوس تكتب : العاهرة والشرف
أخبارنا :  

كتبت شيرين قسوس

في واقعنا العربي، لم تعد المفارقة بين العاهرة التي تطعم الجائع والمسؤول الذي يسرق شعبه صورةً بلاغية، بل حقيقةً يومية تفضح ميزانًا أخلاقيًا مقلوبًا، تُدار فيه القيم من أعلى إلى أسفل بحسب القوة لا بحسب الفعل. هنا لا تُقاس الأخلاق بما تُنقذه من بشر، بل بما تحمله من ألقاب، ولا يُدان الأذى إن كان محميًا بالقانون، بينما تُجلد الهشاشة لمجرد أنها مرئية.

العاهرة ليست استثناءً أخلاقيًا، بل نتيجة طبيعية لخرابٍ طويل: فقرٌ مزمن، دولةٌ غائبة، ومجتمعٌ يطلب الطهارة من ضحاياه قبل أن يطلب العدالة من جلاديه. تُختزل في جسد، تُلعن في العلن، وتُستخدم فزاعةً في الخطب، ومع ذلك—حين ترى الجوع عاريًا أمامها—تُطعم الجائع من القليل الذي تملكه. لا ترفع شعارًا، لا تطلب تبريرًا، ولا تنتظر إذنًا. تفعل فعلًا إنسانيًا مباشرًا في بلدٍ صار فيه الاعتراف بالجوع جريمة سياسية.

وعلى الضفة الأخرى يقف مسؤولاً، لا بوصفه نتيجة بل بوصفه الفاعل. يسرق وهو يتحدث عن الإصلاح، ينهب وهو يوقّع باسم الوطن، ويُفقِر الناس بخطابٍ عن الاستقرار. لا تمتد يده إلى جيب فرد، بل إلى أعمارٍ كاملة، إلى مستقبلٍ يُنهَب بهدوء وربطة عنق. جريمته مؤسسية، جماعية، محمية بالقانون والإعلام والصمت العام، ولذلك لا تُرى كجريمة، بل كـ«إدارة».

العاهرة تبيع جسدها لتنجو.
الوزير يبيع البلاد ليترف.
خطيئتها فردية مكشوفة، فتُجلد بلا رحمة.
خيانته عامة محصّنة، فتُكافأ بالصمت أو الترقية.

وفي عالمنا العربي، الفضيحة ليست الفساد بل انكشافه، والعار ليس السرقة بل الفقر، والخطيئة الكبرى ليست نهب الشعوب بل كسر الصورة الرسمية. نحاكم الضعفاء بأخلاقٍ حادة، ونتسامح مع الأقوياء بأخلاقٍ مطاطية، نطالب المهمّشين بالطهارة المطلقة، ونعفي أصحاب السلطة من أي مساءلة.

والحقيقة التي لا يُراد قولها هي الأكثر فجاجة: هؤلاء أنفسهم—سادة النهار، خطباء الفضيلة، حراس الأخلاق—مع نهاية يوم العمل، بعد أن يفرغوا من سرقة الدولة ومن وعظ الناس عن الشرف، يبحثون ليلًا عن عاهرة تسقيهم. نهارًا تُلعن وتُختزل في الخطيئة، وليلًا تُطلب وتُستَخدم. نهارًا تُستعمل لتخويف المجتمع، وليلًا لتفريغ نفاقه. هي تُدان لأنها ضعيفة، وهم يُحمَون لأنهم أقوياء.

لذلك، فالقصة ليست دفاعًا عن العهر ولا مجرّد هجوم على الفساد، بل اتهام مباشر لنظامٍ أخلاقيٍّ مختلّ يقيس الشرف بالمكانة لا بالفعل، وبالمنصب لا بالأثر. نظامٌ يسمح بالسرقة نهارًا، وبالوعظ مساءً، وبالانغماس في الخطيئة ذاتها ليلًا، ثم يطالب الجميع بالصمت.

وفي هذا الخراب، يصبح السؤال واحدًا، حتميًا، بلا تزيين:
من هو المنحرف حقًا؟
من أطعم جائعًا وهو منبوذ؟
أم من سرق شعبًا كاملًا، ثم وعظه عن الأخلاق، ثم طرق باب العاهرة في الظلام؟

هذا ليس مجازًا، ولا غضبًا أدبيًا.
هذا وصفٌ لواقعٍ يعرف الحقيقة، ويعيش على إنكارها..

مواضيع قد تهمك