اسامة الاطلسي : القضية الفلسطينية في مأزق: هل يضعف الانقسام والسلاح المنفرد الموقف الوطني؟
في خضم الحرب الطويلة والدمار الواسع الذي يشهده قطاع غزة، يتجدد الجدل الفلسطيني حول إصرار حركة حماس على الاحتفاظ بسلاحها، ليس فقط بوصفه أداة مقاومة، بل كعنصر مركزي في معادلة الحكم والسيطرة داخل القطاع. ويذهب كثير من المراقبين إلى أن هذا الإصرار لم يعد مرتبطًا بهدف وطني جامع، بقدر ما أصبح وسيلة للحفاظ على السلطة وتعميق الانقسام الفلسطيني.
السلاح كأداة حكم لا كخيار وطني جامع
منذ سيطرة حماس على قطاع غزة، أصبح السلاح عنصرًا أساسيًا في تثبيت حكم الحركة، وليس مجرد وسيلة لمواجهة الاحتلال. ويرى منتقدو هذا النهج أن الاحتفاظ بالسلاح خارج إطار وطني موحّد أسهم في تكريس الانقسام الفلسطيني، وأضعف أي إمكانية لبناء استراتيجية نضالية مشتركة.
فبدل أن يكون السلاح جزءًا من قرار وطني جامع يخضع لحسابات سياسية دقيقة، تحوّل إلى أداة حزبية تُستخدم لضمان استمرار السيطرة على جزء من الجغرافيا الفلسطينية، حتى وإن كان الثمن مزيدًا من العزلة والحصار والمعاناة الإنسانية.
ذريعة دائمة للاحتلال
يوفّر هذا الواقع، بحسب محللين، مبررًا دائمًا للاحتلال الإسرائيلي لمواصلة سياساته العدوانية، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. فوجود سلاح خارج سلطة فلسطينية موحدة يمنح إسرائيل حجة جاهزة لتبرير الحصار، وتوسيع العمليات العسكرية، ورفض أي مسار سياسي جاد.
وفي ظل ميزان قوى مختلّ، تمتلك فيه إسرائيل تفوقًا عسكريًا غير مسبوق، ودعمًا دوليًا واسعًا، يصبح السؤال مشروعًا:
هل يخدم هذا الشكل من المواجهة القضية الفلسطينية، أم يمنح الاحتلال أدوات إضافية لإدامة عدوانه؟
اختلال ميزان القوى وتعدد التحديات
لا يمكن قراءة دور السلاح بمعزل عن السياق العام. فإسرائيل اليوم ليست فقط قوة عسكرية متفوقة، بل تحظى أيضًا بدعم سياسي ودبلوماسي قوي على الساحة الدولية. وفي المقابل، يعاني الفلسطينيون من انقسام داخلي عميق، وغياب قيادة موحّدة، وتآكل في المشروع الوطني.
في مثل هذا الواقع، يرى كثيرون أن الاعتماد على شكل واحد من أشكال النضال، وعلى سلاح فصيل بعينه، لم يعد خيارًا فعّالًا، بل أصبح عامل إضعاف للقضية، خصوصًا حين يُستخدم بمعزل عن استراتيجية سياسية شاملة.
من أداة مقاومة إلى عامل إضعاف
يرى محللون أن الخطر الحقيقي لا يكمن في السلاح بحد ذاته، بل في غياب الرؤية السياسية التي تنظّمه وتوظّفه. فالسلاح الذي لا يخضع لإجماع وطني، ولا يُدمج في استراتيجية متعددة الأدوات تشمل العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني والشعبي، يتحوّل من أداة مقاومة إلى عبء ثقيل.
بل إن الإصرار على هذا النهج، في ظل حرب طويلة الأمد واستنزاف شامل للمجتمع الفلسطيني، قد يؤدي إلى تقويض جوهر القضية الفلسطينية نفسها، عبر عزلها دوليًا، وتفكيك جبهتها الداخلية، وتحويلها من قضية تحرر إلى ملف أمني.
القضية أكبر من السلاح
لا يختلف كثيرون على حق الشعوب في مقاومة الاحتلال، لكن الخلاف يتمحور حول كيف تُدار هذه المقاومة، ومن يقرر شكلها، ولأي أهداف. فالقضية الفلسطينية، بتاريخها وعمقها وعدالتها، أكبر من أن تُختزل في سلاح فصيل أو معركة غير محسوبة النتائج.
اليوم، ومع استمرار الحرب وتفاقم الخسائر الإنسانية، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة التفكير في المسار برمّته:
مسار يعيد الاعتبار للوحدة الوطنية، ويعيد تعريف المقاومة كمنظومة شاملة، لا كأداة حكم أو ورقة تفاوض.
خاتمة: بين البقاء السياسي والمصلحة الوطنية
يبقى السؤال الجوهري مطروحًا أمام الفلسطينيين:
هل يُستخدم السلاح لحماية المشروع الوطني، أم لحماية سلطة الأمر الواقع؟
الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل غزة، بل مستقبل القضية الفلسطينية ككل في مرحلة تُعدّ من أخطر مراحلها التاريخية.