الأخبار

نايف الليمون : الحكومات تكتب بقلم الرصاص

نايف الليمون : الحكومات تكتب بقلم الرصاص
أخبارنا :  

منذ زمنٍ ليس بالقصير وحكوماتنا المتعاقبة تناور في موضوع اللامركزية ، بين إقدامٍ وإحجام ، وواضح أنها عاجزة عن حسم أمرها بتوجهٍ ثابت حيال ذلك .

ولم نعد نستغرب التردّد الحكومي في القرارات والسعي الدائم لتعديل وتغيير التشريعات بكافة مستوياتها بدءاً من التعليمات وانتهاءً بالدستور ، مما يعكس اضطراباً في الرؤية والتوجه وليس نضجاً وتطويراً وتماشياً مع مستجدات العصر والمرحلة . حتّى ذكّرنا السلوك الحكومي ببداياتنا في التعليم حيث تكون الكتابة بقلم الرصاص المزوّد بالممحاة في طرفه الآخر ، ومن الضرورة بمكان أن تتضمن حقائبنا المدرسية ممحاة لضرورة التعديل الدائم على ما نكتب كوننا في مرحلة التهجئة وبدايات التعلم المصحوبة بالإرتباك والإرتجاف وضعف الملكة والقدرة على الكتابة التي غالباً ما تخرج عن السطر صعوداً أو هبوطاً فضلاً عن خطأ الكتابة .

والأسئلة المشروعة إنسانياً في البداية ، لماذا هذا الهاجس الحكومي والرسمي في الخوف أو عدم الثقة أو عدم القبول بالإختيار الشعبي ، علماً بأن ذلك قد صنع جبالاً من عدم الثقة وعدم الرضى في آن !

ولماذا تسعى الحكومات المتعاقبة إلى منهجية قطع الأصبع الذي يحتاج فقط إلى تقليم أُظفره حتّى أصبحنا بلا أصابع !

ولماذا تأتي القرارات الحكومية وتشريعاتها بمزيد من التراجع في مرحلةٍ عنوانها التطوير والتحديث والإصلاح في شؤوننا الإدارية والإقتصادية والسياسية !

هل التوجه نحو الإدارة المحلية والحكم المحلي بصورةٍ حقيقية وليس ديكورية ومقزّمة ومشوّهة هو نهجٌ إصلاحي أم رجعي !

إن ما تمّ تناقله عن قانون الإدارة المحلية المرتقب يشكّل ردّةً صارخةً ونكوصاً عن التوجه للإصلاح والديمقراطية ، ويكرّس المركزية والوصاية لا الإشراف ويعزّز التدخّل المركزي لا الرقابة وذلك بعد أن ثبت أن الوصاية لم تكن ناجعةً والتدخل لم يكن عادلاً وتحمّلت الوزارة المعنية تبعات الفشل والخلل لأنها أقحمت نفسها في القرار المحلي وتحمّلت وزره .

ثمّ هل الوزارات المركزية في أدائها كانت قدوةً في تجويد الأداء والإنجاز والإضطلاع بالمسؤولية ! علماً بأن ما فاقم مشكلات البلديات وزاد من أعبائها بشكلٍ كبير كانت ليست كلها قرارات وإجراءات مجالس بلدية خاطئة أو محابية أو غير مسؤولة ، وإنما كان مردّها وزراء للبلديات بعينهم أرهقوها بالتعيينات واستيعاب أعداد هائلة من موظفي المحسوبية في مجالس الخدمات المشتركة التي تم فتحها للتعيين العشوائي في مراحل ، إضافة إلى القرارات المركزية الإرتجالية في التنظيم والقروض وشراء الآليات ، وطالما كانت تشكو البلديات من محاباة الوزراء الذين أطلقوا أيديهم للتدخل بالشأن البلدي وفقاً لأهواء ونزوات وميول خاصة بالإدارة المركزية وقد وصلت بعض القرارات البعيدة عن التشخيص والمعرفة الدقيقة إلى جرائم واختلالات إجتماعية عميقة .

لا أحد يُنكر أن هناك اختلالات كثيرة في العمل البلدي والنهج اللامركزي ولكن التصحيح ليس بسلب المواطن حقه في القرار والتخطيط وتقديم الخدمة وفق ما يختار بإرادته الحرة ويتحمل مسؤولية ذلك . ولكن ذلك يمكن تصويبه ومعالجته بوجود محاسبة مركزية حقيقية ورقابة صارمة تتولّاها الجهات الرقابية وعلى رأسها ديوان المحاسبة مع ضرورة توفير الدعم الفني المتخصص الذي ربما تفتقر له بعض البلديات وكذلك تقديم المخصصات العادلة من الدولة وفق معايير واضحة ومنطقية .

ولعله قد آن الأوان أن تتوقف الحكومات عن الكتابة بأقلام الرصاص !!!

مواضيع قد تهمك