م . سعيد بهاء المصري : القمة الأردنية الأوروبية: من تعزيز العلاقات إلى التعاون الاقتصادي الإقليمي
تأتي المباحثات الأردنية–الأوروبية المرتقبة في لحظة دولية وإقليمية بالغة الحساسية، تتقاطع فيها التحولات الجيوسياسية مع إعادة رسم خرائط الاقتصاد العالمي، الأمر الذي يمنح هذه القمة أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي أو الظرفي. فالعلاقة بين الأردن والاتحاد الأوروبي شكّلت على مدى عقود أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي والسياسي للمملكة، وأسهمت في ترسيخ الثقة الدولية بالاقتصاد الأردني، ودعمت مسارات الإصلاح الاقتصادي والمؤسسي، ووفّرت مظلة شراكة متقدمة في مجالات التجارة، والدعم المالي، وبناء القدرات، في سياق إقليمي اتسم بدرجات عالية من الاضطراب وعدم اليقين.
ولا يمكن قراءة هذه القمة بمعزل عن هذا الإرث التراكمي، إذ تمثّل محطة مفصلية لتوطيد العلاقات الاقتصادية والسياسية، وتحديث أدوات الشراكة الثنائية، وتعميق بعدها الاقتصادي بما يتجاوز إدارة الاستقرار إلى دعم النمو المنظم. وتكتسب هذه المباحثات أهمية خاصة في ظل التحديات الهيكلية التي يواجهها الاقتصاد الأردني، والحاجة إلى شراكات طويلة الأمد، واستثمارات إنتاجية قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية، وتوفير فرص عمل مستدامة، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
غير أن المتغير الحاسم في هذه المرحلة يتمثل في طبيعة البيئة الاقتصادية الدولية نفسها. فالاقتصاد العالمي لم يعد يُدار بمنطق العلاقات الثنائية المنفردة، بل بات قائمًا على تكتلات اقتصادية واسعة، وسلاسل قيمة عابرة للحدود، وممرات تجارية وطاقية ورقمية تشكّل العمود الفقري للنمو والتنافسية. وفي هذا السياق، لم تعد قرارات الاستثمار محكومة فقط بعوامل الاستقرار السياسي أو الحوافز المالية، بل بقدرة الدول أو الأقاليم على توفير منظومات اقتصادية متكاملة، تضمن استدامة العوائد، وتخفيض المخاطر، وتأمين سلاسل الإمداد على المدى المتوسط والطويل.
ومن هنا، تكتسب القمة الأردنية–الأوروبية أهمية إضافية عندما تُقرأ في ضوء تبلور إرادة دولية متقاطعة، أوروبية وأميركية وهندية، لإعادة تشكيل خرائط التجارة والاستثمار والطاقة والبيانات، من خلال إطلاق ممر اقتصادي عابر للأقاليم تحت مسمى ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا. وينطلق هذا الممر من الموانئ الهندية، ليعبر موانئ شرق شبه الجزيرة العربية في السعودية والإمارات، ثم يمتد غربًا عبر الجزيرة العربية مرورًا بالأردن، وصولًا إلى أوروبا عبر موانئ البحر الأبيض المتوسط، ولا سيما في اليونان وإيطاليا.
ولا يقتصر هذا المشروع على كونه مسار نقل تجاري تقليدي، بل يُبنى بوصفه منظومة اقتصادية واستثمارية متكاملة تشمل تحالفات في إنتاج الطاقة النظيفة والمتجددة، والهيدروجين الأخضر، إلى جانب شبكات لنقل الغاز، والطاقة الكهربائية، والبيانات الرقمية، ضمن بنية تحتية ذكية تعتمد أحدث النظم التكنولوجية. وتشير التقديرات إلى أن الكلفة الإجمالية لإنشاء هذا الممر، بما يشمله من بنى تحتية مادية ورقمية، قد تتجاوز تريليون دولار، ما يجعله من أضخم المشاريع الجيو-اقتصادية العالمية في العقود المقبلة.
في هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى مقاربة اقتصادية أكثر شمولًا، تقوم على تشكيل فضاء اقتصادي إقليمي يضم دول بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية، بحيث لا يكون هذا الإقليم مجرد ممر عبور للمشاريع الكبرى، بل مساحة إنتاج وتجميع واستثمار قادرة على توليد قيمة مضافة حقيقية. فالتكامل الإقليمي المنظّم يتيح إنشاء مراكز لوجستية كبرى، ومناطق لتجميع البضائع وإعادة تصديرها، واستثمارات استراتيجية في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، وربطها مباشرة بالطلب الأوروبي المتنامي، بما يعزّز فرص التمويل والاستثمار طويل الأجل، ويمنح الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بعدًا اقتصاديًا أعمق وأكثر استدامة.
وبالنسبة للأردن، فإن الانخراط في هذا الفضاء الاقتصادي الإقليمي لا يُشكّل بديلًا عن علاقته الثنائية مع الاتحاد الأوروبي، بل يُمثّل تطورًا نوعيًا لها، يرفع من قيمتها الاقتصادية ويمنحها بعدًا استراتيجيًا أعمق. فالأردن، من خلال موقعه الجغرافي، وبنيته المؤسسية، وخبرته في إدارة التوازنات الإقليمية، قادر على أن يشكّل حلقة وصل اقتصادية وتنظيمية بين هذا الفضاء الإقليمي والأسواق الأوروبية، وأن يساهم في تنظيم التدفقات التجارية والطاقية والرقمية، وتأمين سلاسل الإمداد، وتعظيم العوائد الاقتصادية المشتركة.
وعليه، فإن قمة الشراكة الأردنية–الأوروبية القادمة لا تُختزل في نتائجها المباشرة، بل في قدرتها على أن تكون نقطة ارتكاز لمسار أوسع، يُعيد تعريف موقع الأردن الاقتصادي، ويعزّز دوره كشريك فاعل في منظومة إقليمية منفتحة على الاتحاد الأوروبي، وقادرة على تحويل التحولات الجيوسياسية إلى فرص تنموية حقيقية. وبهذا المعنى، تصبح الاتفاقات الثنائية ضرورة سياسية واقتصادية، لكنها تبلغ ذروتها حين تُدرج ضمن رؤية إقليمية تكاملية، تضمن استدامة الشراكة، وتخدم المصالح الأردنية والأوروبية في آن واحد.