اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

القس سامر عازر : الفرق بين الحق والحقيقة

القس سامر عازر : الفرق بين الحق والحقيقة
أخبارنا :  

القس سامر عازر

"الحق ليس ملكًا لأحد ليتحكم به، لأنه هو الله نفسه، ومن يسكن في الحق يسكن في الله، والله فيه." – القديس أوغسطينوس

حين نتأمل في هذين المصطلحين، "الحق" و"الحقيقة"، نجد أنفسنا أمام عمق فكري وروحي يتجاوز مجرد التعريفات اللغوية أو الفلسفية. فهما في الظاهر متقاربان، لكن في الجوهر يختلفان اختلافًا يكشف لنا أبعادًا لاهوتية عميقة عن طبيعة الله وعن علاقتنا به.

الحقيقة هي ما يتطابق مع الواقع الملموس أو المعطيات المشاهدة. هي توصيف لما هو قائم أو لما حدث، سواء كان مفرحًا أو مؤلمًا، عادلًا أو جائرًا. الحقيقة قد تخبرنا بما هو، لكنها لا تملك بالضرورة أن تغيّر ما هو. إنها أشبه بمرآة تعكس الصورة كما هي، لكنها لا تمس جوهر الصورة ولا تعدّله. ويمكن أن تكون الحقيقة نسبية في إدراك البشر، لأن زاوية نظرنا وعمق فهمنا محدودان، فنرى جزءًا من المشهد ونظنه كل المشهد.

أما الحق، فهو أسمى من الحقيقة، لأنه ليس مجرد توصيف للواقع، بل هو المعيار الذي به يُقاس كل واقع. الحق هو مطابقة الفكر والإرادة مع مشيئة الله الصالحة، وهو الثابت الذي لا يتغير بتغيّر الأزمنة أو الظروف. الحق في جوهره مطلق، لأنه منبثق من طبيعة الله نفسه، الذي قال عن ذاته في المسيح: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يوحنا 14: 6). فالحق ليس فكرة مجرّدة أو قاعدة نظرية، بل هو شخص، هو الله الحي، الذي في نوره تنكشف كل الأمور على حقيقتها.

من هنا ندرك أن الحقيقة قد تكشف لنا وضع الإنسان الساقط والمكسور، لكن الحق يعلن قصد الله في خلاصه وشفائه. الحقيقة قد تقول إن هذا العالم غارق في الظلم والفساد، لكن الحق يعلن أن مشيئة الله هي إقامة العدل وإشراق البرّ. الحقيقة قد تصف الخطيئة، أما الحق فيحرّر منها: "وتعرفون الحق، والحق يحرّركم" (يوحنا 8: 32).

إذًا، نحن مدعوون ألا نقف عند حدود الحقائق، مهما كانت قاسية أو مؤلمة، بل أن نرتقي إلى مستوى الحق الإلهي، فننظر إلى الأمور بعين الله، ونقيّم الواقع على ضوء مقاصده، ونعمل ليصير ما نراه مطابقًا لما يريده هو. الحق يعطي للحقيقة معناها، ويضعها في إطار الرجاء، فلا تبقى النهاية في الظلام، بل تمتد نحو النور.

هنا يتضح الفرق الجوهري: الحقيقة هي صورة الواقع كما هو، أما الحق فهو إعلان الله عن مقصده الأزلي تجاه هذا الواقع. ولهذا، الحق لا يتغيّر، بينما الحقيقة كما ندركها نحن قد تتغير مع الزمن أو تُصحَّح مع ازدياد النور.

في حياتنا الروحية، لا يكفي أن نكون شهودًا للحقيقة، بل يجب أن نكون شهودًا للحق أيضًا. أن نقول ما هو قائم، لكن بعيون الإيمان التي ترى ما يجب أن يكون. أن نواجه واقعًا مليئًا بالكسر، ونحن نحمل في قلوبنا اليقين بأن قصد الله هو الكمال والبر والسلام. فالحق هو نبع الرجاء وسط حقائق الألم.

بهذا الفهم، ندرك أننا مدعوون لا أن نكتفي بالإشارة إلى الحقيقة، بل أن نشهد للحق، عاملين على أن تصير الحقائق البشرية متوافقة مع الحق الإلهي، حتى يتجلى في الأرض كما في السماء.

مواضيع قد تهمك