هزاع البراري : الأجواء الأردنية وسيادة الدولة
وضع الموقع الجيوسياسي الأردن في بؤرة التعقيدات السياسية والعسكرية منذ منعطفات إقليمية عديدة سابقة، إذ نكاد نقول ان هذا الوضع بالغ الحساسية لموقع الأردن الجيوسياسي نشأ مع نشوء الدولة الأردنية الحديثة، وصار سمة انعكست على مواقف الأردن وسياسته الداخلية والخارجية، ورغم الكلفة العالية لهكذا موقع وسط إقليم غير مستقر، بل تتفاقم فيه النزعات والصرعات، إلا أنه مكن الأردن أيضا من لعب دور سياسي ودبلوماسي مؤثر، وذلك بفضل حكمة القيادة في التعاطي الاستراتيجي مع منعطفات وتحولات وصراعات الإقليم، مما جعل للأردن دورا مؤثرا ف? خفض التوترات وصوت الحق، فهو الذي ينحاز إلى الحق والتعقل وتوازن الرؤى، وذلك بالإتكاء على قيم الدولة، وانحيازها التاريخي للقضايا والمصالح العربية، وعلى أرسها القضية الفلسطينية، وتماهي هذه المصالح العربية مع الخيار الوطني الواضح.
فرضت الحرب الحديثة شكلا جديدا من المواجهات، والتي تقوم على ضرب العدو البعيد دون الحاجة إلى تحريك الجيوش البرية والمدرعات وسلاح المشاة، بل أن سلاح الطيران الكلاسيكي لم يعد بذات الأهمية في المسافات البعيدة، إذ أصبحت الصواريخ بأنواعها العادية والبالستية والفرط صوتية هي الأعلى صوتا والأكثر حضورا وتأثيرا، كما أن دخول المسيرات » الطائرات دون طيار » الأقل كلفة والأسهل استعمالا ميدان المعارك، أذاب الحواجز وقلص المسافات، إذا تلاشى ما يسمى بالدول الحاجزة، عندما لا يجمع الدول المتحاربة حدود مباشرة، ولعل أول ظهور لهذا?الواقع الجديد ولو بشكل مختلف، برز عندما قامت إسرائيل بضرب المفاعل النووي العراقي عام 1981، ومنذ ذاك الواقع والمعادلة اخذة بالتغير، ولعل ما يجري اليوم بين إسرائيل وإيران هو تعبير مباشر عما صارت عليه شكل الحروب الحديثة، وبالتالي ستتراجع الحاجة لناقلات الطائرات الضخمة، أو إلى الأذرع المساندة مثل حزب الله أو حتى القواعد العسكرية الكبيرة.
لكن هذا يفرض واقعا جديدا على الدول الواقعة بين هذه الدول المتحاربة دون أن يكون بينها حدود مباشرة، ولعل المواقع الأردني مثال واضح على هذا الواقع الجديد، اذ جعله الموقع الجيوسياسي في المنقطة الوسط بين محاربين. وهنا يتجلى سؤال السيادة/ سيادة الدولة على حدودها وأرضها وأجوائها ليكون الأكثر إلحاحا، بل علينا أن ندرك أن السيادة هي كل متكامل، لا يمكن التنازل عن جزء منها والتمسك بالأخر، لذلك فإن أي اختراق لهذه الأجواء دون اتفاقيات موقعة أو تنسيق وتوافق واضح الملاح، يقع في باب المس العمد بسيادة الدولة، وبالتالي يقع ف? إطار الإعتداء الذي يستوجب الرد، بل إن عدم الرد أو عدم مواجهة هذا الخرق بما هو متاح، هو تنازل يجرح الكرامة الوطنية، ونوع من الاستسلام والتسليم، وربما يصل إلى حالة من الخنوع التي تفضي نوع من الهزيمة المعنوية، والتي قد تدفع أطرافا أخرى على التجاسر بعمل خروقات مشابهة.
إن دفاع الأردن عن أجوائه هو ذاته دفاعه عن حدوده البرية والبحرية، وهو واجب لا يمكن الحيد عنه أو التنازل عنه بذرائع مختلفة، المبدأ واحد والنتيجة ذاتها، إما السيادة التي تنتزع انتزاعا، وإما حالة من التردي الوطني والإنكسار السياسي والعسكري، لذا فإن مواجهة القوات المسلحة الأردنية لأي تعدي أو اختراق لحدوده وأجوائه واجب مقدس، لا نقبل بأقل منه، فمكانة الدول وهيبتها تبنى أولا بحفظ حدودها ومقدراتها وتعميق الشعور بالكرامة الوطنية، وهذا ما تقوم به الدولة الأردنية، فقد أعلن جلالة الملك أكثر من مرة أن الأردن لن يكون ميد?نا لصراعات الآخرين، ولسنا مساحة عبور مجانية لمن رغب، هناك مصالح وطنية عليا، وقوانين دولية تنظم العلاقات بين الدول، وهنا جيش أردني مصطفوي رابض ومتربص لكل من يحاول المساس بأمن الأردن وأرضه وسيادته، وكل من يعيب علينا ذلك عليه أن يتعلم الكرامة ويعرف ماذا تعني السيادة قبل أن يتفوه بما لا يعيه ولا يعرفه.