القس سامر عازر : هل نعطي ما لله لله؟!
القس سامر عازر
أجراس الكنائس في هذا الأحد تذكّرنا بأمر مهم، وهو ضرورة أن نُوفي الله حقه علينا. ففي حياتنا أمور كثيرة وجب أن نُوفيها حقها، إذ تترتب علينا مسؤوليات وواجبات تجاه أسرنا وعائلاتنا ومجتمعنا ووطننا. فالقيام بالواجب حق مقدس، وقد يكون ثمن الوفاء به تضحية كبيرة تصل إلى حد بذل النفس، تمامًا كما كان الثمن الذي دفعه العريف جواد السلايطة أثناء تأديته واجبه في الحراسة أمام إحدى السفارات الأجنبية في عمّان.
ومن منطلق الواجب الوطني والإنساني أيضًا، تعرّض الملازم فايز العنانزة لجرح قطعي في وجهه، جراء محاولته تحييد ذلك الإرهابي الجبان الذي كان ينوي إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا. وهنا تتجلى معاني الشجاعة والتضحية والمسؤولية، حين يضع الإنسان سلامة الآخرين وأمن المجتمع فوق سلامته الشخصية.
ومن باب تأدية الواجب كذلك، كم من مرتبات الأمن العام يعرّضون حياتهم للخطر، بل ويدفع بعضهم حياتهم ثمنًا في سبيل مكافحة تهريب المخدرات والأسلحة، تلك الآفات التي تستهدف زعزعة أمن الوطن واستقراره، وإبعاد الشباب عن جادة الصواب، وتدمير مستقبلهم، وإلحاق الأذى بهم وبعائلاتهم ومجتمعهم.
إن تأدية الواجب المنوط بنا واجب مقدس، ينطلق من الأمانة والوفاء وشرف الخدمة، وهو شرف لا يضاهيه شرف. ولو أدى كل واحد منا واجبه بأمانة وإخلاص، لنهضت مجتمعاتنا وتقدمت أوطاننا. فتأدية الواجب جزء لا يتجزأ من إيماننا وعقيدتنا، لأن الإيمان ليس مجرد أقوال وشعارات، بل يتجلى في الأمانة والوفاء والإخلاص في كل قول وعمل. فالإيمان الحقيقي لا ينفصل عن المسؤولية، ولا تكتمل الشهادة التي نقدمها عن إيماننا إلا عندما تتحول إلى سلوك وممارسة في حياتنا اليومية.
ومن ناحية أخرى، يبقى السؤال الأهم: هل نعطي الله ما لله؟ وهل نُوفيه حقه علينا؟ لقد أشار السيد المسيح إلى ذلك بوضوح عندما قال: "أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلَّهِ لِلَّهِ" (متى 22: 21). وهي دعوة لا تقتصر على التمييز بين ما هو مدني وما هو ديني، بل تضع أمامنا مسؤولية الوفاء بما علينا من حقوق وواجبات، تجاه الناس من جهة، وتجاه الله من جهة أخرى.
إن إعطاء الله حقه يبدأ بعبادة قلبية صادقة، تفيض بالشكر والعرفان على نعمه التي تغمر حياتنا في كل صباح ومساء. فالجحود والنكران يتنافيان مع روح الإيمان والوفاء للخالق. وجوهر إعطاء الله حقه هو أن نحيا وفق وصاياه، وأن تفيض حياتنا محبة من كل القلب والنفس والفكر والقدرة. فهذه هي المحبة التي يريدها الله منا، محبة لا تبقى حبيسة الكلمات، بل تتحول إلى فعل وموقف وسلوك.
وما يطلبه الله منا هو محبة تتجاوز الألم والإساءة والأذى الذي قد يلحق بنا من الآخرين؛ فلا نميل إلى الانتقام ورد الصاع صاعين، ولا نسمح لأفعال الآخرين بأن تحيد بنا عن درب المحبة والحق والملكوت. وهذا لا يعني أن نتنازل عن حقنا أو نقبل الظلم، بل أن نطلب العدل دون أن نفقد إنسانيتنا، وأن نترك لله أمر إنصافنا، واثقين بعدالته، ومتمسكين بالمحبة التي لا تعرف الحقد ولا تسعى إلى الانتقام.
ولله حق علينا أن نعبده العبادة الروحية التي تليق بعظيم جلاله، وأن نخلص له في إيماننا، ونتمسك بوصاياه، ونشهد له بأعمالنا قبل أقوالنا؛ لأنه وحده المستحق الكرامة والسجود والإكرام إلى دهر الداهرين.
فهل نعطي ما لله لله، وما للناس للناس، وما للوطن من واجب ومسؤولية؟ إن الوفاء في هذه الدوائر جميعها ليس أمرًا متناقضًا، بل هو تعبير عن إيمان واحد وأمانة واحدة، تتجلى في محبة الله ومحبة القريب وخدمة الوطن. فطوبى لمن عرف حق الله عليه، ولم ينسَ حق أسرته ومجتمعه ووطنه، وأدى الأمانة التي ائتمنه الله عليها بكل أمانة وإخلاص.