تيسير محمد أبوزيد : حين تتقدّم الإنسانية على الإجراءات… هكذا يكون المسؤول
أثناء تواجدي ظهر يوم الخميس في دائرة الأحوال المدنية والجوازات، وتحديدًا في مكتب عطوفة مدير الدائرة، المهندس غيث باشا الطيب، لفت انتباهي موقف إنساني ترك في نفسي أثرًا عميقًا، وأكد لي أن قيمة المسؤول لا تُقاس بمنصبه أو بموقعه الإداري، وإنما بقدرته على الشعور بالناس ومراعاة ظروفهم والتخفيف عنهم.
دخلت إلى مكتب عطوفة المدير سيدة مسنّة، وقد غلبتها دموعها، فلفت بكاؤها انتباه الحاضرين. لم تكن دموع حزن أو شكوى، بل كانت دموع امتنان وفرح، جاءت لتعبر عن شكرها وامتنانها لموقف إنساني لم تكن تتوقعه.
تلك السيدة لديها ابنة تعاني من إعاقة شديدة تحول دون قدرتها على الحضور شخصيًا إلى مركز الأحوال المدنية لتجديد بعض الوثائق والأوراق الرسمية المطلوبة. وفي ظل هذه الظروف الصعبة، جاء التعامل الإنساني من عطوفة المدير، الذي بادر إلى مساعدتها وتسهيل معاملتها دون أن تطلب منه ذلك، ودون واسطة أو معرفة مسبقة، بل انطلاقًا من شعوره بالمسؤولية الإنسانية وحرصه على عدم تحميل هذه الأسرة مزيدًا من المشقة.
كانت دموع تلك الأم المسنّة أبلغ من كل كلمات الشكر؛ فقد اختلطت فيها مشاعر الفرح بالامتنان، بعدما وجدت من يستمع إليها، ويقدّر ظروفها، ويسعى إلى مساعدتها وإنجاز معاملتها بكل يسر وسهولة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمسؤولية؛ فالمسؤول ليس مجرد صاحب منصب أو توقيع، بل هو إنسان قبل كل شيء، والمسؤولية الحقيقية تظهر عندما يضع نفسه مكان المواطن، ويشعر بمعاناته، ويدرك أن خلف كل معاملة حكاية وظرفًا إنسانيًا قد لا نعرف تفاصيله.
وما قام به عطوفة المهندس غيث باشا الطيب يجسّد معنى الإدارة التي تضع الإنسان في مقدمة أولوياتها، ويتماشى مع التوجيهات الملكية السامية لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله، الداعية إلى خدمة المواطنين، وتيسير معاملاتهم، والتخفيف عنهم، وتقديم أفضل الخدمات لهم.
ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الحديث لا يقتصر على هذا الموقف الإنساني وحده، بل يمتد ليشمل ما تشهده دائرة الأحوال المدنية والجوازات من تطور وتحديث، وإدخال التقنيات الحديثة، وتسريع الإجراءات، بهدف تقديم الخدمات للمواطنين والمقيمين بأسهل الطرق وأكثرها كفاءة.
**إن المؤسسات لا تُقاس فقط بما تمتلكه من أجهزة وتقنيات وأنظمة حديثة، بل تُقاس أيضًا بمدى إنسانية القائمين عليها، وبما تتركه من أثر طيب في نفوس الناس.**
فقد تنسى السيدة تفاصيل معاملتها مع مرور الأيام، لكنها لن تنسى الموقف الذي خفّف عنها، ولن تنسى اليد التي امتدت لمساعدتها في وقت كانت بأمسّ الحاجة فيه إلى من يقدّر ظروفها.
كل الاحترام والتقدير لكل مسؤول يدرك أن خدمة الناس شرف، وأن التسهيل عليهم واجب، وأن الإنسانية يجب أن تبقى حاضرة في كل موقع من مواقع المسؤولية.
**أخوكم
تيسير محمد أبوزيد / سحاب