اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

عاطف أبو حجر : جدتي هلالة

عاطف أبو حجر : جدتي هلالة
أخبارنا :  

عاطف أبو حجر

حين يُذكر الصبر، تتقدّم جدتي هلالة أولًا، كسنديانةٍ سلطيةٍ ضاربةٍ في عمق الروح قبل الأرض. لم تكن امرأةً عادية، بل ذاكرةً تمشي على قدمين، وحكايةً كُتبت بعرق الجبين ودعاء الأمهات. في حضورها كان الزمن يهدأ، وفي غيابها أدركنا أن بعض الغياب لا يُعوَّض.

جدتي هلالة، كانت جذع العائلة الذي التفّت حوله الفروع، وسرّ الدفء في ليالي التعب، ومعنى الأصالة حين تكون فعلًا لا شعارًا. رحمها الله، فقد تركت فينا أثرًا لا تمحوه الأيام، واسمًا كلما نطقناه شعرنا أن الجذور ما زالت حيّة.

في حكاية جدتي هلالة، تلتقي الجذور بالعراقة، والأصالة بذكريات الزمن الماضي الجميل؛ ذلك الزمن الذي كان العمل فيه عبادة، والتعب كرامة، والتربية الصالحة مسؤولية تُحمل بالقلب قبل اليد. كانت تعرف أن بناء الإنسان أهم من بناء البيوت، وأن القيم هي الزاد الحقيقي في دروب الحياة الطويلة.

كانت جدتي مدرسةً في الصبر؛ لا تشتكي ولا تُظهر الضعف، بل تواجه الحياة بثبات السنديانة التي تعرف أن العواصف عابرة، وأن الجذور العميقة لا تُقتلع. في كلماتها حكمة، وفي صمتها دروس، وفي دعائها بركة رافقتنا في تفاصيل حياتنا.

ولا تُنسى تلك الأيام التي كانت العائلة تجتمع فيها حول مائدة الرحمة والوفاء؛ مائدةٍ لم تكن للطعام فقط، بل كانت مساحةً للمحبة وصلة الرحم وتبادل الدعاء والاطمئنان. هناك، حيث لا يشيخ المجد ولا تنقطع السلالة الطيبة، كانت جدتي هلالة قلب الدار وروحها؛ تجمع ولا تفرّق، وتصل ولا تقطع.

ومن أجمل ما بقي في ذاكرتي عن جدتي هلالة أحاديثها التي كانت تحمل عبق الانتماء وصدق الوطنية. كانت تحب الأردن حبًا صادقًا، وتذكر الملك والقيادة الهاشمية بكل تقدير واعتزاز، وتؤمن بأن أمن الوطن واستقراره مسؤولية الجميع.

وكانت لها عبارة لا تزال ترن في أذني حتى اليوم: «لازم كل بيت يكون فيه عسكري». لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت تعبيرًا عن ثقافة جيلٍ يرى في الجندية شرفًا، وفي حماية الوطن وسامًا على صدر كل أردني.

لقد تركت جدتي فينا إرثًا يتجاوز الذكريات؛ إرثًا من الصبر والكرامة والأصالة وحب الأردن. وكأنها تختصر بهذه العبارة فلسفة جيلٍ تربّى على الشرف والرجولة والتضحية.

هكذا كانت جدتي؛ أردنية الهوى، بلقاوية الجذور، هاشمية الولاء. علّمتنا أن حب الوطن ليس كلمات تُقال، بل مواقف تُترجم إلى عمل وعطاء وتضحية.

رحم الله جدتي هلالة، السنديانة التي لا تنحني، وأسكنها فسيح جناته.

مواضيع قد تهمك