د . راشد الشاشاني : في دائرة الضوء تُحرق سنوات العمر
د . راشد الشاشاني
• أحبوا عملكم واعملوه ، واعملوا عملكم وأحبّوه .
• ما على الشاشات تُبلغ الأمنيات .
• ليست في قصص البطولات تنُال المعجزات .
• وحده العمل طريق الحصول .
• وحدها الرغبة طريق الوصول .
• إبحث عن الطريق ولا تسأل عنه .
ينطلق حديثنا اليوم من قصص ماثلةٍ في ذاكرة الناس ، هذه القصص تأخذ مدىً عابراً للأجيال ، ليست تلك التاريخيّة منها فقط ، ولا حتى تلك التي حدثت منذ زمن ليس ببعيد ، ولا هذه الحاضرة في زمن التخيّل وحدها . تتحدّث هذه القصص في مجموعها عن نجاح شخصٍ ما ، أو فكرةٍ ما ؛ يمكن للناس " وفقاً لفهمهم " تطبيقها والوصول إلى نتيجة مشابهة ؛ تُغريهم فيها فكرة الظهور أو الشهرة ، التي غالبا ما تتوّج بظهورٍ تلفزيونيٍّ أو ما سار في مساره ، تحت عناوين قد تبدو برّاقة مثل : قصّة نجاح ، رمز وطني ، مكافح ، وصول مجتهد ، مناضل عنيد ... الخ .
لن نركّز على مسألة اختلاف الناس في أدوارهم ومسارهم ، وبالتالي أفكارهم ، واختلاف النتائج الحاصلة بعد مقدّمات كل منهم عن الآخر ؛ بقدر ما نسلّط الضوء على مسألة " اللّحاق بالغير " هذه الفكرة السريعة ؛ كوجبة ضارّة لا يتبعها الناس عادة لأنها طريقهم الأسهل في تحقيق أمنياتهم فقط ، بل لأنّها – كما يتوّهمون _ الأضمن ، الأسرع ، الأقلّ كلفة ، الأعلى فائدة .
سعي هؤلاء نحو المضمون ؛ الذي قُلنا بحقّه أنّه " متوّهم غير موجود بالمعنى المعروف للوهم والوجود عند الناس " ناهيك عن أنّ تركّز مجموعة من الخصائص لفكرة ما عند الناس ، يعني : أنّهم يستندون على إرث تاريخي كاذب ، استمدّوه من أسلافهم ويسلّمونه إلى ذُريّاتِهم ومن حَولَهم كذلك ، لهذا ؛ قُلنا أنّ فكرة النجاحات " بطريقة شهرة قصّة النجاح " فكرة عابرة للأجيال .
النجاح لا يعرف البحث عن المضمون ، من يبحثون عن الضمان خاسرون دائماً ، المغامرون وحدهم من يفوزون ؛ وإن كان في المغامرة مخاطرة وخسائر . المهمّ في مركز حديثنا هنا : هو تصديق روايات مسموعة دون الإطلاع على تفاصيلها أو التأمّل فيها ، بل حتّى في حالة الاطلاع ؛ ليس هناك أدنى إدراك لمتاعب السير في هذه التفاصيل ، ما يرونه هو " المشهد الأخير " دون ما يسبقه من سقطات أو عثرات ، ربّما كان المشهد برمّته مزيّفا ، مرّة بطريقة إخراجِه وأخرى بطريقةِ فَهمِ الناسِ له . ومع نقص الادراك هذا ؛ هناك غيابٌ تامٌّ عن مكاسِبِ و مَغارِمِ مثل هذه النتائج .
على أيّة حال ؛ الناجحون لا يستمعون إلى قصص التاريخ ولا قصص الآخرين ولو كانوا حاضرين معهم ، من يرون في ظهورهم على شاشة فضائيّةٍ أو مسرحِ تكريمٍ بجائزةٍ ما هدفاً سامياً ؛ يُصابون على الدوام " بضربةٍ نفسية " تشكّل لهم صدمة انكشاف " وهم الوصول " لقد كانوا يرون " سماوات ، فراشات ، شمس مع شلالات ، حرس يصطفّ على جانبي رحلة الطيران هذه بعد ظهور الشهرة .... الخ ، لكن سرعان ما تنكشف حقيقة صرف سنواتٍ طويلةٍ في ملاحقة سراب كهذا ؛ خسِرَ معها ما كانَ من نصيبِهِ في صندوق فُرصِ الدنيا .
الشبع من قصص التاريخ والتمثّل بالآخرين ؛ سواء أكانوا شخصيّات تاريخيّة أم معاصرة ؛ لا يعني سوى إشعال محرقة وقودها سنوات العمر ، عليك تجنّبها ، والانحياز في صفّ شأنك الذي يتوّجُكَ ليل نهار في مكانِك الذي تصرف له انتباهك الموافق لهواك ؛ بعيداً عن رأي الناس .
على أن تفهم أنّ رأي الناس هذا ليس ما تسمعه ممّن يوجّه لك نصيحةً بعد طلبها ، أو نقداً بعد عمل شابه نقص ، أو لوماً بعد تصرّفٍ أخطأ بعض طريقه.. الخ فقط . بل الرأي الأهمّ : ما توثّقه في ذهنك قصص التاريخ التي بُنيت فوق أهواء من أرادوها ، في معظمهم _ إن لم يكن كلّهم _ كان ضحيّة " وهم الوصول "هذا ؛ لكن كلّ من اتجاه مصلحته , سواء أكانت بتسويق القصّة أو بالفرار إليها لإخفاء عجزه .
.
لا يقتصر وَهمُ الوصول وفق مفهومنا هذا على ذاتك ، بل يشمل آمالك التي تعلّقها على الآخرين ، ولو كانوا من ذويك ، كما يشمل آمال الآخرين التي يعلّقونها على عاتقك ، حين يطلبون منك – بتقاعسهم - ما ليس من أمرك ، بمعنى يسألونك ما عجزوا عن فعله ، فحين تسمع قصّة تحفيز من أحد هؤلاء أو غيرهم ؛ اسأله : لماذا لم تفعل ذلك أنت طالما أنّك تعرف الوصفة جيّدا ؟!
انتبه أنّ هؤلاء دائماً يقاومون رغبتك في أمر ما ، ويسعون إلى أن تحيد إلى آخر .
خلاصة فكرتنا هذه : أنّنا لم نرَ في إشاعة صورة تاريخيّة ، أو بطولة حاليّة ؛ إلّا استقواءً لضعيفٍ أمام من يفوقونَه مكانةً ، قوّة ، حضوراً ، شوكة ... الخ . لهذا ؛ فهي لا تُعطيكم صورةً صادقةً حول توجيه الهدف ، كما لا تمنحكم مدادَ مسؤوليّةٍ تَحَمَّلَها صاحِبُها ، قصصُ التاريخِ كلّها ليست واقعيّةً ؛ وإن وقَعت كذلك ؛ كان نقلُها وإخراجها غير ذلك ، فالشيء يحوز كيانه بذاتِهِ ، فإن خرَج منه في المكان أو الزمان أو الحدث تغيّر .
اتركوا " دائرة الضوء " " ذروة الوصول " " برج النهاية " " تصفيق الجماهير " " تعاطف العامّة " " نموذجاً يُحتذى " أحبّوا عملكم واعملوه ، واعملوا وأحبّوا عملكم ، ثمّ اعملوا وأحبّوا عملكم ، ثمّ اعملوا وأحبّوا عملكم .
لا تنتظروا لحظة الراحة مهما كان شكلها أو مداها ، فهي : الموت بمعناه الذي لا يفهمه الناس إلا حين يفوت الأوان .