د. طارق سامي خوري : جريمة الكنيسة… وخطاب الكراهية الذي يجب أن يتوقف
مضت أيام على جريمة الكنيسة في الكرك، وسمعنا الكثير وشاهدنا الكثير، لكن السؤال الأهم اليوم: كيف نحمي مجتمعنا من الأفكار المسمومة التي قد تنتج مثل هذه الجرائم؟
وبعد أن أعلنت الأجهزة الأمنية القبض على المتهمين، وكشفت عن تبنيهم فكرًا تكفيريًا متطرفًا، لم يعد السؤال مقتصرًا على كيفية تنفيذ الجريمة، بل أصبح من الضروري أن نسأل: كيف تنشأ هذه الأفكار وتنمو داخل مجتمعنا؟ ومن يغذيها أو يمنحها الشرعية؟ وكيف نحمي أبناءنا من التحول من التعصب الفكري إلى ممارسة العنف؟
إذا أرادت الدولة أن تكون حكيمة وعادلة وشفافة، فعليها أن تتعامل مع خطاب الكراهية والتكفير باعتباره خطرًا على المجتمع وأمنه ووحدته، لا مجرد آراء عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
ومواجهة هذا الخطر لها طريقان متلازمان: الثقافة والمعرفة والتعليم والحوار، ثم المحاسبة القانونية لكل من يثبت تورطه في التحريض على الكراهية والعنف.
نحن أبناء أديان ومذاهب مختلفة، لكننا أبناء أمة واحدة، وأرض واحدة، وتاريخ ومصير ومستقبل واحد. والأديان السماوية في جوهرها تدعو إلى المحبة والرحمة والتسامح والتآخي، ولم تمنح أحدًا حق مصادرة حرية الآخرين أو تنصيب نفسه ديّانًا عليهم. فالله وحده هو الديّان.
وهذا ما أكده أنطون سعاده في فلسفته القومية الاجتماعية، حين ميّز بين الإيمان الديني والانتماء القومي. فاختلاف الأديان والمذاهب لا يلغي وحدة الأمة، ولا يجوز أن يتحول الدين إلى أداة للتكفير والإقصاء. فالإيمان علاقة الإنسان بخالقه، أما وحدة الأمة فتقوم على وحدة الأرض والتاريخ والحياة والمصالح والمصير.
سبق أن تحدثت عن منع الحجاب في إحدى الدول، وقلت إن من يمنع الحجاب لا يختلف جوهريًا عمن يفرضه، فكلاهما يصادر حرية الإنسان وحقه في الاختيار. لكن المؤسف أن بعض الردود، حتى من مثقفين وأكاديميين، جاءت بلغة الإكراه والإقصاء، وكأن فرض القناعات الدينية على المجتمع حق مكتسب!
ولا أحمّل أي مبادرة أو شخص مسؤولية هذه الجريمة دون دليل، لكنني أطالب بمراجعة كل خطاب يسعى إلى فرض القناعات الدينية على الآخرين، لأن حماية حرية الإنسان تبدأ برفض الإكراه، أيًا كان مصدره.
والأخطر وجود رجال دين وأساتذة جامعات وسياسيين ونواب وشخصيات صنعت شهرتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتستخدم الدين لبث أفكار إقصائية وتكفيرية. وبعضهم يستند إلى فتاوى مفكرين جعلهم أتباعهم مرجعيات فوق النقد، حتى أصبحوا يرددون أقوالهم ويغفلون ما جاء في القرآن الكريم من قيم الرحمة والعدل.
المجتمع ليس كله على درجة واحدة من الوعي… فهناك المثقف الذي يحتكم إلى العقل والمعرفة، وهناك الإنسان الذي يتلقى الأفكار دون تمحيص ويثق بما تقوله مرجعيته، وهناك الفئة الأخطر التي يسهل استثارتها وتحريضها ودفع بعض أفرادها إلى ارتكاب أفعال يعتقدون أنها دفاع عن الدين.
وهنا تبدأ مسؤولية الدولة، لا بعد وقوع الجريمة، بل قبل أن تتحول الكلمة إلى تحريض، والتحريض إلى دم.
وإذا كانت أجهزتنا الأمنية قد أدت واجبها في ملاحقة المتهمين، فإن واجب مؤسساتنا التربوية والثقافية والدينية هو منع صناعة متطرفين جدد. فالنجاح الأمني في كشف الجريمة وملاحقة مرتكبيها لا يعفينا من مسؤولية معالجة البيئة الفكرية التي تسمح بنمو التطرف وانتشاره.
أدعو إلى مشروع وطني تقوده مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها وزارتا الأوقاف والتربية والتعليم والجامعات، يقوم على رصد خطاب الكراهية، والتواصل مع أصحابه، ومحاورتهم وتثقيفهم وتصحيح المفاهيم المغلوطة لديهم، وإخضاع من يتجاوز حدود الرأي إلى التحريض للمساءلة وفق القانون، أيًا كانت صفته أو مكانته.
ولا يجوز أن تمنح المؤسسات الرسمية المنابر أو الشرعية المعنوية لمن يروّج للتكفير والإقصاء، ثم تتساءل عن أسباب انتشار التطرف. كما لا يجوز أن تمر المبادرات التي تتجاوز حرية الناس وحقوقهم دون مراجعة ومساءلة مؤسسية.
مشكلتنا ليست مع الدين ولا مع المتدينين، بل مع الفكر الداعشي أينما وجد، ومع من يستغل الدين لتسميم العقول وتحريض الناس بعضهم على بعض.
إن حماية المجتمع لا تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، بل ببناء الوعي، وتعظيم دور الدين الحقيقي في نشر المحبة والتسامح والتآخي، وحماية حرية الاعتقاد والاختيار.
الكرة اليوم في ملعب الدولة ومؤسسات المجتمع كافة. فملاحقة المجرم ضرورة، لكن منع صناعة مجرم جديد مسؤولية أكبر. والتطرف لا يبدأ بالرصاصة، بل بفكرة تجد من يروّج لها، وخطاب يجد من يبرره، وصمت يسمح له بالانتشار. علينا أن نواجه الفكرة بالعلم، والتحريض بالقانون، وأن نحمي وحدة مجتمعنا قبل أن ندفع ثمن الكراهية من دماء أبنائنا.
"الوطن يكبر بالمحبة ويفنى بالبغضاء"
د. طارق سامي خوري