د. يعقوب ناصر الدين : في الإرادة قوة!
لا شك أن التطورات في المنطقة تبعث على القلق، ومن يوم إلى يوم ترتفع وتيرة التصعيد نتيجة اندلاع حروب إضافية كتلك التي نشهدها في اليمن، بل إن بعض القوى الإقليمية التي كانت محايدة إلى حد ما أو مشاركة في عمليات خفض التصعيد بدأت تنضم إلى الصراعات القائمة تحت عناوين مختلفة، وفي ذلك ما يؤشر إلى احتمالية توسيع الصراع وتأزيم الوضع في منطقة الشرق الأوسط بأكملها!
نحن أمام حالة من عدم الاستقرار وعدم اليقين بالنسبة للأشهر المتبقية من هذا العام، ليس انتظارا لنتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية وإنما خوف من حدوث خلل ما في معادلات القوة والضعف ، والمفاجئات غير المحسوبة في الجوار الشرق أوسطي، وخاصة الجوار الأوروبي حيث الحرب الروسية الأوكرانية، والأزمات السياسية والاقتصادية في أوروبا تزيد من احتمالية وقوع أزمة عالمية غير مسبوقة، تؤدي حتما إلى انهيار النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
يجب أن نتذكر باستمرار كل التحذيرات التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثاني والعشرين من شهر أيلول الماضي حين قال ( نحن نعيش لحظة استثنائية في التاريخ، إذ لم يشهد العالم من قبل هذا الحجم الهائل من المعرفة وهذه الوتيرة المتسارعة من التغيير، وكل يوم يحمل معه أزمة جديدة، ومأساة جديدة، وحالة طوارئ تستدعي انتباهنا) وفي مكان محدد من هذا الخطاب التاريخي تمت الإشارة بوضوح إلى مفهوم ( الانتباه) كعملية تتجاوز تركيز الذهن والإدراك إلى تحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية لإنقاذ البشرية من هاوية توشك أن تنزلق إليها.
ربما أراد جلالة الملك أن ينبه كذلك أغلبية قادة العالم إلى أن الإرادة الجماعية قوة يمكن تفعيلها من أجل إيجاد نوع جديد من معادلة ( توازن القوى) خارج الفكرة السائدة بأنها محصورة بالخمس الكبار، لتكون القوة موقفا ينتصر للحق والعدل، ولأبسط الحقوق الإنسانية لملايين البشر الذين يتعرضون للإبادة الجماعية والتشريد والقهر والجوع والفقر بسب غياب الاهتمام، والمبادرات الحازمة والحاسمة لإنهاء الصراعات الإقليمية والدولية!
مفهوم ( إرادة القوة) في الأصل هو مفهوم أردني حقيقي أرسى قواعده المتينة جلالة الملك الذي خاطب الأردنيين في أشد مراحل الصراع في المنطقة مطمئنا إياهم بأن الأردن بخير بهمة جيشه وقواه الأمنية، وبوعي شعبه وتماسكه ووحدته وتحمله وصموده في وجه المخاطر والتحديات، وبقدرته كذلك على مواصلة مسيرته في البناء والتطوير والتحديث، فضلا عن قوة ومتانة علاقات الأردن الدولية، وقدرته على كسب المزيد من الشراكات السياسية والعسكرية والأمنية والاستثمارية الكبرى التي تعزز مكانته ودوره كبلد فاعل في التوازنات الإقليمية والدولية على حد سواء.
بالإرادة والتصميم يمكن لنا أن نتجاوز الآثار السلبية للواقع الراهن في المنطقة، وبتعزيز وتعميق عناصر قوتنا مجتمعة يمكن لنا أن نحصن قلعتنا في مواجهة أسوأ الاحتمالات مهما بلغت حدتها، وأيا كان مصدرها!
ــ الغد