اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

فيصل تايه : من يحمي المعلم حين تسقط هيبة المدرسة؟

فيصل تايه : من يحمي المعلم حين تسقط هيبة المدرسة؟
أخبارنا :  

ليست الفاجعة في اللحظة التي امتدت فيها يد طالب بالإساءة والاعتداء والشتائم على معلمته داخل حرم المدرسة فحسب؛ الفاجعة الأكبر في السؤال الذي تفرضه هذه اللحظة علينا جميعاً: من يحمي المعلم حين تسقط هيبة المدرسة؟ وما الذي سبق هذه اللحظة من إشارات كان يمكن التقاطها ومعالجتها قبل أن تتحول إلى واقعة صادمة؟


وليس الاعتداء على المعلمين أو المعلمات أمراً جديداً في بعض مدارسنا، لكن خصوصية هذه الحادثة، كونها وقعت في مدرسة للذكور يغلب على كادرها النسائي حتى الصف السادس، تفتح باباً مشروعاً للنقاش حول البيئة المدرسية، وطبيعة هذه المرحلة، ومدى ملاءمة تشكيل الكادر التربوي لاحتياجات الطلبة فيها. لا يجوز أن نحمل حادثة واحدة أكثر مما تحتمل، كما لا يجوز أن نغلق باب المراجعة بحجة أنها حادثة واحدة.


فالمدرسة اليوم تتعامل مع جيل يعيش وسط تحولات رقمية واجتماعية متسارعة، وأنماط تواصل وتأثير لم تعد تشبه ما عرفناه قبل سنوات. وفي الصفين الخامس والسادس تحديداً، تتقاطع هذه التحولات مع خصوصية المرحلة العمرية وما يرافقها من تغيرات في السلوك والعلاقات وإدراك السلطة.


وفي بعض مدارس الذكور التي يغلب على كادرها النسائي، قد تصبح إدارة هذه الفئة وضبط مواقفها السلوكية أكثر تحدياً؛ ليس لأن المعلمة تفتقر إلى الكفاءة أو القدرة على التربية والتعليم، وإنما لأن بعض البيئات المدرسية قد تحتاج إلى تنوع أكبر في الكادر، وتكامل في الأدوار، وأدوات أكثر ملاءمة لطبيعة المرحلة. وهذا سؤال تربوي مشروع، لا انتقاص فيه من المعلمة ولا انتصار فيه للمعلم.


ومن واقع عقود طويلة في الميدان التربوي، معلماً ومديراً ومشرفاً ومستشاراً، أستطيع القول إن الاعتداء لا يأتي عادةً من فراغ؛ بل قد يكون النهاية الصاخبة لسلسلة من الإشارات الصغيرة التي لم تجد من يلتقطها: كلمة نابية مرت دون معالجة، وتحدٍ تكرر دون تدخل، وسلوك تجاوز حدوده حتى أصبح مألوفاً. وعندما تفشل المدرسة في قراءة هذه الإشارات مبكراً، لا تخسر موقفاً واحداً فقط، بل تبدأ تدريجياً بفقدان قدرتها على الضبط، ويصبح المعلم في الواجهة وحده.


نحن بحاجة إلى وقاية قبل العقوبة، وإلى تدخل قبل الانفجار. فالمعالجة الحقيقية لا تبدأ بعد الاعتداء، وإنما تبدأ يوم يظهر أول مؤشر على اضطراب السلوك. وكلما تأخر التدخل، ارتفعت كلفة المشكلة على الطالب والمعلم والأسرة والمدرسة معاً.


ومن هنا تأتي أهمية مراجعة تشكيل الكادر في بعض مدارس الذكور، لا بوصفها معركة بين المعلم والمعلمة، ولا دعوة لإلغاء تجربة تأنيث المدارس، وإنما باعتبارها مراجعة تربوية يجب أن تستند إلى الواقع. فهناك آلاف المعلمات اللواتي يقدمن نماذج مشرفة في التعليم والتربية، ولا يجوز اختزال تجربتهن في حادثة فردية. لكن السياسة التعليمية القوية ليست التي ترفض المراجعة؛ بل التي تملك شجاعة مراجعة نفسها عندما يتغير الواقع.


ولهذا فإن مراجعة سياسة تأنيث مدارس الذكور حتى الصف السادس يجب ألا تقوم على الانطباع أو رد الفعل، بل على البيانات: السلوكيات المتكررة، وحالات العنف، والغياب، والإعادة، والحالات الإرشادية، وشكاوى المعلمين، ومستوى التدخل الإداري، واحتياجات كل مدرسة وبيئتها. وقد يكون وجود معلمين رجال إلى جانب المعلمات في بعض مدارس الصفوف العليا خياراً تربوياً يستحق الدراسة، لا باعتباره حلاً سحرياً أو بديلاً عن المعلمة، وإنما باعتباره أحد أشكال تنويع الكادر والقدوة وتوزيع الأدوار وأساليب التعامل عندما تفرض طبيعة المدرسة ذلك.


وفي عصر البيانات والتكنولوجيا، لم يعد مقبولاً أن تبقى المدرسة أسيرة الذاكرة الشفهية والانطباعات الفردية. نحن بحاجة إلى سجل سلوكي إلكتروني ومنظومة إنذار مبكر ترصد تكرار المخالفات والمؤشرات التراكمية، وتربط المدرسة بالمديرية وفرق الإرشاد والدعم، بحيث تصل المعلومة إلى الجهة المعنية قبل أن يتحول السلوك إلى أزمة. فالطالب الذي نكتشف مشكلته في بدايتها يمكن أن نساعده، أما الطالب الذي نترك مشكلته تتضخم حتى تصل إلى الاعتداء، فنكون قد أضعنا فرصاً كثيرة للتدخل.


لكن الإنذار المبكر وحده لا يكفي. نحتاج إلى إطار واضح يحدد صلاحيات الإدارة، ومسؤولية الأسرة، وإجراءات التعامل مع الحالات المتكررة، وما يجب فعله عند وقوع الاعتداء. لا عنف ضد الطالب، ولا عنف ضد المعلم. والحزم لا يعني الانتقام، كما أن حماية الطالب لا تعني التساهل مع سلوكه. وهنا تأتي أهمية العدالة الترميمية التي تجمع بين المساءلة وتقويم السلوك وإصلاح الضرر، وتمنح الطالب فرصة للعودة إلى المسار الصحيح دون وصمه بأنه حالة ميؤوس منها.


وفي المقابل، يجب أن تكون حماية المعلم مؤسسية وقانونية، لا أن تترك رهينة للضغوط الاجتماعية أو الاجتهادات الفردية. فالمعلم الذي يشعر أن المؤسسة تقف خلفه وتحمي كرامته وحقه في بيئة آمنة، يستطيع أن يؤدي دوره بثقة. حماية المعلمة ليست حماية لفرد؛ إنها حماية للمدرسة، وحماية للمعلم، وحماية للطالب، وحماية لهيبة الدولة.


ولا يمكن أن نتحدث عن المدرسة بمعزل عن الأسرة. عند وقوع المشكلة يجب ألا يكون السؤال فقط: ماذا فعلت المدرسة؟ بل أيضاً: ماذا فعل ابني؟ فالدفاع عن الابن قبل معرفة الحقيقة قد لا يحميه، بل قد يؤخر معالجة سلوك يحتاج إلى تقويم. والأسرة شريك أصيل في التربية، والمدرسة لا تستطيع وحدها أن تصلح كل ما يدخل إليها من سلوكيات تشكلت خارج أسوارها.


وهنا نصل إلى القضية الأوسع: هل نريد من المدرسة أن تعالج نتائج المجتمع فقط، أم نريد للدولة كلها أن تتدخل في بناء السلوك الذي يدخل إلى المدرسة؟ فالمدرسة تحتاج إلى أسرة شريكة، وإرشاد فاعل، وإدارة قوية، ومديرية تتابع، ووزارة تقيس وتراجع، وتشريعات تحمي الجميع. وعندما تتكامل هذه الأدوار، لا يبقى المعلم وحده في مواجهة المشكلة، ولا تصبح المدرسة وحدها مطالبة بمعالجة نتائج ظواهر أكبر منها.


إن السؤال الذي يجب أن يشغل صانع القرار ليس فقط: ماذا نفعل بعد وقوع الاعتداء؟ بل ماذا كان يجب أن نفعل قبل أن يقع؟


ولهذا أرى أن الوقت حان لمراجعة ميدانية جادة لتجربة تأنيث مدارس الذكور في الصفوف الأساسية العليا، من خلال لجنة تربوية متخصصة تدرس المدارس واحتياجاتها حالةً بحالة، وتستند إلى البيانات والمؤشرات السلوكية والميدانية، وتبحث في جوانب القوة والخلل، وما تحتاجه المعلمات من تدريب وصلاحيات وإسناد، وأين يمكن أن يكون تنويع الكادر وإشراك المعلمين الرجال خياراً تربوياً مناسباً.


هذه ليست دعوة إلى إدانة تجربة، ولا إلى التراجع عن سياسة، وإنما دعوة إلى سياسة تعليمية حية تسمع صوت الميدان وتملك شجاعة التصحيح عندما تدعو الحاجة. فالمطلوب ليس الانتصار للمعلم على الطالب، ولا للمعلمة على المعلم، ولا للمدرسة على الأسرة؛ المطلوب أن ينتصر الحق في مدرسة آمنة، منضبطة، عادلة، قادرة على حماية معلميها وتقويم طلبتها.


حان وقت التدخل، لا وقت الانتظار.




مواضيع قد تهمك