الدكتورة نوال محمد نصير : من إدارة الأزمة إلى إدارة المستقبل: اختبار صلابة الاقتصاد الأردني
بقلم: الدكتورة نوال محمد نصير
تعودنا في هذا الإقليم المضطرب أن نرى الأزمات تتكسر على حدودنا، أو أن نتابع تفاصيلها عبر الشاشات ثم نغلقها لنعود إلى تفاصيل حياتنا اليومية. لكن التطورات الأمنية الأخيرة وضعتنا أمام واقع مختلف تماماً؛ فالصخب الإقليمي لم يعد بعيداً، وتداعياته باتت تلامس سماءنا وأجواءنا مباشرة. هذا التغيير يطرح سؤالاً أعمق بكثير من مجرد متابعة الأخبار: كيف نحمي اقتصادنا ونضمن ألا تتوقف تفاصيل الحياة الطبيعية في منطقة لا تهدأ؟
السؤال هنا لا يتعلق الأمن وحده، بل يمس عصب الاقتصاد، والإدارة، والتخطيط اليومي. والدولة تُقاس قوتها الحقيقية، لا فقط في قدرتها على درء الأخطار المباشرة، بل في قدرتها على إبقاء "عجلة الحياة تدور" بهدوء وثبات، أن تضمن للمواطن أن الأسواق بخير، والسلع متوفرة، والخدمات مستمرة، وأن هناك من يخطط بيقظة تامة لما قد تخبئه الساعات القادمة.
من هنا، يزداد اقتناعي كل يوم أن الإدارة الحقيقية ليست مجرد نظريات براقة على الرفوف أو خطط طوارئ جامدة. الإدارة الحقيقية هي تلك "الميدانية" التي تظهر قيمتها ساعة الخطر، حين يصبح القرار السريع والمدروس واجباً لا خياراً. فالأزمات تمتحننا جميعاً: هل ننتظر وقوع الكارثة لنبحث عن حلول، أم أننا نستبقها بالسيناريوهات والبدائل؟
أردنياً، نحن نعيش في قلب جغرافيا مشتعلة، وهذا يعني أن "الاستعداد" لم يعد ترفاً تخطيطياً يمكن تأجيله ريثما تهدأ الأمور، بل بات ركيزة أساسية لا غنى عنها لمنعتنا الاقتصادية. اقتصادنا ليس بمعزل عما يدور حولنا؛ فأي اهتزاز في النقل، أو الطاقة، أو التجارة، إن لم يُدر بحكمة، سينعكس عاجلاً أم آجلاً على جيب المواطن وكلفة معيشته.
لهذا، حان الوقتي لتحويل التعامل مع الأزمات من مجرد "رد فعل مؤقت" ينتهي بانتهاء الحدث، إلى "ثقافة مؤسسية مستمرة" في القطاعين العام والخاص. نحن بحاجة ماسة إلى اقتصاد مرن يمتص الصدمات، ومؤسسات تمتلك خططاً واضحة، وإدارة تعي تماماً أن الاستقرار الحقيقي يتجاوز أمان الشوارع، ليصل إلى استقرار الأسواق وثقة المستثمر بأن البيئة الاقتصادية هنا قادرة على التكيف مع كل الاحتمالات.
باختصار، المسؤولية القادمة واضحة ومحددة: الانتقال من إدارة رد الفعل.. إلى إدارة المستقبل.
فكل أزمة تمر بنا تترك خلفها دروساً قاسية لكنها مفيدة؛ فهي تكشف بوضوح عن مواطن القوة والضعف في بنيتنا المؤسسية والاقتصادية. والذكاء هنا يكمن في قراءة هذه الدروس بعمق، واستثمار ما يملكه الأردن من خبرات وطنية راسخة لتعزيز الاعتماد على الذات، وتقوية الإنتاج المحلي، وتحويل التحديات إلى فرص.
الخطر قد يأتي من خارج الحدود، لكن قوة الداخل الأردني، وحكمة إدارته، قادرتان دائماً على تحصينه. وحدها النظرة التي تتجاوز أفق الحدث، وتلك الأسئلة الصعبة التي نطرحها قبل وقوع الأزمة وليس بعدها، هي التي تصنع الفارق الحقيقي بين أن نكتفي بإدارة أزمتنا، أو أن نكون قادرين على إدارة مستقبلنا.