اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

حاتم النعيمات : أزمة الداخل الإيراني

حاتم النعيمات : أزمة الداخل الإيراني
أخبارنا :  

تشي التجاذبات السياسية المتصاعدة في طهران بأن الدولة تشهد فرزًا داخليًا عميقًا عنوانها الأبرز الصراع بين منطق الثورة ومنطق الدولة. فالسؤال عن جدوى الاستمرار في سياسة تصدير الثورة وبناء النفوذ الإقليمي أصبح مُلحًا وله حضور واضح في تصريحات المسؤولين الإيرانيين مؤخرًا.

 

المحافظون الذين يملكون نفوذًا واسعًا داخل الحرس الثوري والأجهزة الأمنية، يرون أن الانفتاح السياسي والاقتصادي قد يهدد أسس الثورة، بينما يرى الإصلاحيون أن العقود الماضية أظهرت كلفة مرتفعة لاستمرار المواجهة، وأن الخروج من العزلة أصبح ضرورة لاستعادة الدولة لعافيتها.

ويأتي هذا السجال في توقيت بالغ الحساسية؛ فالاقتصاد الإيراني يواجه ضغوطًا متزايدة بفعل الحصار والعقوبات، ويترافق ذلك مع خسارة طهران جزءًا مؤثرًا من أدوات نفوذها التقليدية في الإقليم، خصوصًا بعد سقوط النظام السوري وتراجع قدرات حزب الله ومحاصرة المليشيات العراقية وتحرك قوات الشرعية اليمنية ضد الحوثيين.

المحافظون في إيران يتمسكون بمفهوم "اقتصاد المقاومة" القائم على مواجهة العقوبات وتوظيف شبكة النفوذ الإقليمي لتأمين سيطرة على مضيقي هرمز وباب المندب وتحويلهما إلى ملفي ابتزاز مالي وأمني لدول العالم، ناهيك عما تحصله من ثروات الدول التي تزرع فيها الأذرع، بينما يرى الإصلاحيون أن استعادة الاقتصاد لا يمكن أن تتم خارج قطاعات النفط والغاز والتجارة والانفتاح الطبيعي.

الخلاف بين المعسكرين بدأ يقترب من بنية السلطة نفسها مع تراجع الثقة الشعبية وتصاعد الحديث عن مستقبل القيادة وآليات انتقال السلطة داخل نظام يستند إلى شرعية ثورية ودينية، وهذا أدى إلى اتساع الفجوة بين المجتمع والدولة، رغم بقاء النظام متماسكًا بفضل صيغته المليشياوية والقمعية لا بفضل رضا الناس.

حتى التحالفات الخارجية باتت موضع مراجعة، ففي حربي الاثني عشر يومًا وحرب الأربعين يومًا وما تلاهما وجدت إيران نفسها أمام اختبار قاسٍ لعلاقتها مع حلفائها، فقد اكتفت موسكو وبكين بالمواقف السياسية وتزويد المعلومة الاستخبارية (كما نقلت واشنطن بوست ورويترز)، وكأن القضية محصورة في تحديد مواقع القوات الأمريكية لا في فعالية سلاح الصواريخ والمُسيرات من الأساس. في المحصلة أدى ذلك كله إلى فتح نقاشٍ داخليٍ آخر حول قيمة التحالفات أمام مواجهة وجودية حقيقية.

المشكلة الإيرانية اليوم ليست في حدث واحد، بل في تراكمات طويلة جعلت الخيارات أضيق؛ فإما أن تعيد طهران ترتيب أولوياتها الخارجية وتفتح طريقًا لترميم الثقة داخليًا، أو يستمر الانقسام تحت ضغط العقوبات والتهديدات الإسرائيلية والأمريكية وربما الدولية.

إيران تقف أمام مراجعة مؤجلة منذ سنوات، لكن السؤال الأهم يبقى: هل تتمكن من إدارة هذا التحول بذكاء، أم أن تراكم الأزمات سيجعل التغيير أكثر كلفة عليها وعلى المنطقة؟


مواضيع قد تهمك