اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. حمزة الشيخ حسين : أين الذين يريدون ترك بصمة في هذا العصر؟

د. حمزة الشيخ حسين : أين الذين يريدون ترك بصمة في هذا العصر؟
أخبارنا :  

د. حمزة الشيخ حسين


في بدايات ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، برز كثيرون يتغنّون بالدين والثقافة والسياسة، ويظهرون نشاطًا لافتًا يتجاوز المألوف. يومها، لم أكن أدرك أن بعض هذا الحضور لم يكن سوى مقدمات خفية لظهور لاحق بأدوار مختلفة، هدفها تحقيق مصالح شخصية مستترة.


رأيت من يسعى إلى خدمة الناس بشتى الوسائل، ويقدّم نفسه بوصفه صوتًا لهم وحاملًا لقضاياهم. لكنني رأيت، في نهاية المطاف، من يطلب الصوت الانتخابي لنفسه، بعدما اتضح أن وراء ذلك النشاط خططًا خفية للدخول إلى الساحة السياسية أو الثقافية أو غيرها. وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل أصبح هذا الزمن زمن المصالح الشخصية الضيقة فحسب؟


في الأزمنة الغابرة، كان الإنسان يفرض حضوره بفعله وإنجازه، لا بكثرة ظهوره أو ضجيج خطابه. كان العالم الفقيه يُعرف بعلمه، والفارس بشجاعته، والكريم بمواقفه، والمخترع باكتشافاته، والشاعر بعظيم أثره. كانت أسماؤهم تنتشر لأنهم تركوا بصمات عميقة وواضحة في حياة الناس، لا لأنهم سعوا إلى صناعة صورة براقة أو استثمار حضورهم لتحقيق مكاسب خاصة.


ولعل ابن خلدون مثال بارز على ذلك؛ فقد ذاع صيته بين الأمصار بفضل قوة بصيرته وتنوع علمه وعمق رؤيته، وما زال حاضرًا في وجدان الفكر الإنساني حتى يومنا هذا. لم يحتج إلى حملات ترويجية، ولا إلى خطاب عاطفي متكرر، فقد تكفّل أثره العلمي بتخليد اسمه.


أما اليوم، فنحن أمام مشهد مختلف؛ إذ تختلط خدمة الناس بالرغبة في الظهور، وتمتزج الدعوة إلى الثقافة بالحسابات السياسية، ويتحوّل الحديث عن الوطن أحيانًا إلى وسيلة للعبور نحو منصب أو نفوذ أو مكسب انتخابي. وليس العيب في أن يطمح الإنسان إلى العمل العام أو المشاركة السياسية والثقافية، فذلك حق مشروع، وإنما العيب أن يتخفّى الطموح الشخصي خلف شعارات عامة، وأن تُستغل مشاعر الناس وثقتهم للوصول إلى غايات لم تُعلن بوضوح.


هل كنا غافلين حين صدّقنا من تغنّى بالبلد، وتحدث في الشأنين السياسي والثقافي، بينما كان يسعى في حقيقة الأمر إلى مصالحه الشخصية؟ أم أننا كنا نبحث عن الأمل في كل صوت مرتفع، ونمنح ثقتنا لكل من أتقن مخاطبة العاطفة؟


إن ترك البصمة لا يكون بكثرة الظهور، ولا بترديد الشعارات، ولا بتقديم الذات بوصفها منقذًا أو ممثلًا وحيدًا للناس. البصمة الحقيقية تُصنع بالعمل الصادق، والموقف النزيه، والعطاء المستمر، والقدرة على خدمة المجتمع دون انتظار مقابل. أما من يجعل الناس سلّمًا لمصالحه، فلن يبقى من حضوره إلا صورة عابرة، مهما طال ظهوره أو ارتفع صوته.


نحن بحاجة إلى إعادة تعريف النجاح والقيادة والحضور. نحتاج إلى أشخاص يتركون أثرًا لا ضجيجًا، ويقدّمون إنجازًا لا وعودًا، ويخدمون الناس لا يستثمرون حاجاتهم. فهل ما زال في هذا العصر من يريد أن يترك بصمة حقيقية؟ نعم، لا شك في ذلك، لكنهم قلة، وغالبًا ما يعملون بصمت، بعيدًا عن الأضواء، لأنهم يؤمنون بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يقوله عن نفسه، بل بما يتركه من أثر في حياة الآخرين.


مواضيع قد تهمك