د. خير ابو صعيليك : الديمقراطية التشاركية في البلديات وأمانة عمان
مع صدور قانون الإدارة المحلية الجديد رقم (16) لسنة 2026 ونشره في الجريدة الرسمية، واقتراب دخوله حيز النفاذ في الثلث الأول من شهر تشرين الثاني من العام الحالي، ينصرف جانب كبير من النقاش العام إلى قضايا الانتخابات التمثيلية: من سيترشح؟ ومن سننتخب؟ وكيف تتشكل المجالس المحلية؟ وهي دون شك أسئلة مشروعة ومهمة تتصل بشرعية التمثيل، غير أنها لا تختزل وحدها مفهوم المشاركة الشعبية في إدارة الشأن المحلي؛ فالديمقراطية المحلية لا تقاس فقط بكيفية انتخاب المجالس، وإنما أيضا بمدى قدرة المواطن على المشاركة المستمرة في صناعة القرارات التي تمس تفاصيل حياته اليومية.
فالديمقراطية بمعناها الحديث لا تتوقف عند تمكين المواطن من اختيار من يمثله مرة كل أربع سنوات، وإنما تمتد إلى إيجاد قنوات مؤسسية تتيح له المشاركة في تحديد احتياجات منطقته، وترتيب أولوياتها، وإبداء الرأي في المشاريع والخدمات التي تمس حياته اليومية، وهنا يظهر مفهوم الديمقراطية التشاركية بوصفه مكملا للديمقراطية التمثيلية وليس بديلا عنها.
تظهر أهمية هذا المفهوم بصورة أوضح في الإدارة المحلية، حيث يفترض أن تكون المسافة بين المواطن ومتخذ القرار أقصر منها على المستوى الوطني الكلي.
فالشارع والحديقة والنقل والنظافة والتنظيم والمرافق العامة ليست قضايا مجردة، بل تفاصيل حياتية يعيشها المواطن بشكل يومي، ويمتلك بشأنها معرفة محلية قد لا تتوافر بالدرجة ذاتها لدى الإدارة المركزية. ومن هذه الزاوية، يستحق قانون الإدارة المحلية الجديد التوقف عنده، ليس فقط بسبب التغييرات التي أدخلها على بنية الإدارة المحلية، وإنما أيضا بسبب ما تضمنه من توجه نحو تعزيز المشاركة المجتمعية، ومن أبرز أدواتها لجان الأحياء.
لم ينظر قانون الإدارة المحلية إلى لجان الأحياء باعتبارها تجمعات اجتماعية فحسب، وإنما ربطها بالمشاركة المجتمعية والتواصل مع البلدية والمساهمة في تحديد الاحتياجات المحلية، حيث أعطت المادة (31) من قانون الإدارة المحلية دورا مهما في إعداد دليل الاحتياجات بالتنسيق مع المجتمع المحلي ولجان الأحياء، وأحالت تنظيم تشكيل هذه اللجان ومهامها وآلية اختيار أعضائها إلى تعليمات تصدر لهذه الغاية.
وهذا تطور مهم فالتخطيط المحلي الفاعل يفترض أن يبدأ من الأسفل إلى الأعلى، أي من الحي والمنطقة وصولا إلى البلدية والمحافظة، وليس العكس، فالسكان هم الأقدر على تحديد الاختناقات المرورية في منطقتهم، أو الحاجة إلى حديقة أو مرفق عام، أو أولوية صيانة شارع على إنشاء مشروع آخر.
وبهذا المعنى تستطيع لجان الأحياء إذا أحسن تصميمها أن تتحول إلى حلقة مؤسسية تربط المواطن بالمجلس البلدي والإدارة التنفيذية، وأن تنقل العلاقة بين الطرفين من نموذج يقوم على طلب الخدمة إلى نموذج أكثر تقدما يقوم على المشاركة في تحديد الأولوية.
أما في العاصمة، فقد سبق قانون أمانة عمان رقم (18) لسنة 2021 قانون الإدارة المحلية الجديد في الإشارة إلى الأحياء وإن كان من منظور مختلف، فقد منح القانون في المادة (11) مجلس الأمانة صلاحية تشكيل لجان تطوعية خيرية للأحياء لتعزيز دور المواطنة، إلى جانب ما تضمنه من توجهات لمشاركة المجتمعات المحلية في برامج التنمية المستدامة. لكن المقارنة بين القانونين تكشف اختلافا يستحق النظر؛ فقانون أمانة عمان ينطلق في صياغته من مفهوم العمل التطوعي والخيري وتعزيز المواطنة، بينما يتجه قانون الإدارة المحلية الجديد بصورة أوضح نحو توظيف لجان الأحياء كإحدى أدوات المشاركة المجتمعية في الشأن المحلي.
وهنا تبرز فرصة مهمة أمام أمانة عمان؛ فالعاصمة بحجمها السكاني واتساعها الجغرافي وتنوعها الاقتصادي والاجتماعي، ربما تكون الأكثر حاجة إلى نموذج متقدم للديمقراطية التشاركية، إذ تختلف الأولويات بين منطقة وأخرى بل وبين حي وآخر داخل المنطقة ذاتها؛ فما تحتاجه أحياء شرق عمان (القويسمة مثلا) يختلف بالقطع عما تحتاجه أحياء غربها (دابوق مثلا)، ومن الصعب على أي مؤسسة مركزية، مهما بلغت كفاءتها، أن تلتقط وحدها كل هذه الاحتياجات والتباينات وترتبها بالدرجة نفسها من الدقة.
إن تفعيل لجان الأحياء في أمانة عمان والبلديات لا يعني إنشاء طبقة إدارية جديدة أو هياكل بيروقراطية موازية للمجالس المنتخبة، فالمطلوب هو العكس تماما استنادا إلى هياكل مرنة تساعد المجالس المنتخبة على اتخاذ قرارات أفضل من خلال تزويدها بمعرفة محلية ملتصقة بالاحتياجات، كما أن نجاح هذه التجربة يتطلب ألا تتحول لجان الأحياء إلى قنوات جديدة للمطالب الفردية أو المصالح الضيقة أو أن تصبح مجرد إطار شكلي للمشاركة، وهذا يستدعي وضع معايير واضحة وشفافة لاختيار أعضائها وضمان تمثيل النساء والشباب وذوي الخبرة ومؤسسات المجتمع المحلي، وتحديد مدة العضوية، والإفصاح عن التوصيات التي تقدمها اللجان وكيف تعاملت البلدية أو الأمانة معها.
بالتوازي مع تشكيل اللجان تبرز أهمية ربطها فعليا بدورة التخطيط والموازنة، فلا تكفي دعوة المواطن إلى تحديد احتياجات منطقته وتسليم قائمة بالمطالب.
فالمشاركة الجادة تقتضي وجود تغذية راجعة توضح للمواطن ما الذي تم اعتماده، وما الذي تعذر اعتماده، والأسباب والمعايير التي قادت إلى ذلك القرار.
الأمر الذي يعني أن يتكون لدى المواطن الشريك فكرة عن القيود والمساحات المالية والإدارية المتاحة؛ فقائمة الأمنيات طويلة بينما قائمة الموارد غالبا ما تكون محدودة وضيقة، والإبداع يكون في استخدام الموارد المتاحة بكفاءة واجتراح الحلول لتلبية أكبر قدر من هذه الاحتياجات.
من هنا يمكن أن نتقدم خطوة أخرى باتجاه مفهوم الموازنة التشاركية، بحيث يخصص جزء محدد من الإنفاق المحلي للمشاريع التي يشارك المواطنون في اقتراحها وترتيب أولوياتها، ضمن سقوف مالية ومعايير فنية واضحة، وهي ليست فكرة نظرية فقد أصبحت الموازنات التشاركية إحدى الأدوات المستخدمة عالميا لإشراك المواطنين مباشرة في ترتيب أولويات الإنفاق المحلي.
ولا يعني ذلك نقل سلطة الموازنة من المجالس المنتخبة إلى المواطنين، وإنما إيجاد مساحة محددة ومنظمة تسمح للمجتمع المحلي بالتأثير المباشر في جزء من القرارات التي تمس نوعية حياته، الأمر الذي يعزز الفكرة السياسية من المشاركة في العملية الديمقراطية المتعلقة بانتخاب المجالس البلدية ومن ثم نقل هذه العدوى الإيجابية على مستوى البرلمان.
تتيح التكنولوجيا اليوم توسيع هذا المفهوم إلى ما هو أبعد من الاجتماعات التقليدية للجان الأحياء، فمن الممكن إنشاء منصات رقمية على مستوى كل منطقة أو حي تتيح للمواطن الاطلاع على المشاريع المقترحة، واقتراح الأولويات، وإبداء الرأي بها، ومتابعة مراحل التنفيذ، والاطلاع على مؤشرات الأداء ومستوى الإنجاز.
وهكذا تصبح المشاركة المجتمعية جزءا من منظومة الإدارة المحلية الرقمية، لا نشاطا موسميا منفصلا.
وهذا يتطلب ثقافة مؤسسية داعمة تقبل وتمارس مفهوم أن المواطن ليس مجرد متلقٍ للخدمة، وإنما شريك في تحسينها.
وفي المقابل، تحتاج إلى مواطن واعٍ يدرك أن المشاركة ليست قائمة أمنيات مفتوحة، وإنما هي عملية مفاضلة بين احتياجات متعددة في ظل موارد محدودة.
وهذا ربما يكون أحد أهم الآثار غير المباشرة للمشاركة، فهي لا تجعل الحكومة المحلية أكثر فهما للمواطن فقط، بل تجعل المواطن أيضا أكثر إدراكا للقيود الإدارية والمالية والتنظيمية.
تشكل عملية نقل النصوص إلى حيز التطبيق جزءا مهما من معركة كسب الثقة، فوجود النص في القانون شيء وتحويله إلى ممارسة مؤسسية راسخة شيء آخر، فقانون أمانة عمان الذي صدر عام 2021 منح مجلس الأمانة صلاحية تشكيل لجان تطوعية في الأحياء، غير أن المبادرات والأنشطة تحت هذا العنوان بعد مرور خمس سنوات ما زالت غضة.
ويظل السؤال حول نقل الفكرة إلى منظومة مؤسسية واضحة ومستمرة بحيث تمتلك آليات معلنة للاختيار والعمل والتواصل، فالتحدي لا يكمن في غياب النص وإنما في تلك المسافة الفاصلة بين التشريع والتطبيق، فعمان لا تحتاج إلى مبادرات متفرقة بقدر حاجتها إلى إطار مستدام يجعل المشاركة جزءا من منظومة إدارة المدينة.
أمامنا اليوم فرصة للبناء على ما جاء في قانون الإدارة المحلية الجديد، وما هو موجود في قانون أمانة عمان، لتطوير نموذج أردني للديمقراطية التشاركية على المستوى المحلي. نموذج لا ينافس المجالس المنتخبة بل يقويها، ولا ينقل القرار إلى لجان الأحياء، بل يجعل القرار أكثر اتصالا بها.
فالديمقراطية التمثيلية تمنح المواطن حق اختيار من يتخذ القرار نيابة عنه، أما الديمقراطية التشاركية فتمنحه مساحة للمساهمة في صناعة ذلك القرار والانتقال به من عقلية المتلقي الناقد إلى عقلية المشارك الفاعل.
ــ الغد