اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

تهاني روحي : حين يسبق الذكاء ضميره

تهاني روحي : حين يسبق الذكاء ضميره
أخبارنا :  

إيلون ماسك، أحد أكثر المستثمرين اندفاعا في تطوير الذكاء الاصطناعي، أيّد أخيرا الدعوة العالمية إلى إبطاء تطوير قدرات النماذج المتقدمة وإخضاعها لتقييم مستقل من داخل الشركات نفسها.

 

 

فاللافت أن أحد صانعي هذه الثورة يحذر من أن سرعتها قد تتجاوز قدرتنا على ضبطها، وكأن البشرية استفاقت على آلة تتعلم أسرع مما نتعلم نحن كيف نوجّهها، فهل يتفوق التلميذ على أستاذه، وينقلب السحر على الساحر؟

ماسك ليس مراقبا محايدا، فهو يملك أكبر شركة تعمل على تطوير هذه التكنولوجيا. ومع ذلك انضم إلى أصوات تطالب بمنح السلامة وقتا يوازي الوقت الممنوح لزيادة القدرات.

لكن المسألة لا تتعلق بالتروي في سرعة التطوير وحدها، بل بنوع العالم الذي سيصنعه هذا التقدم في واقع يتغير أمامنا كل يوم، وبمن يحدد الحدود عندما تتداخل المصالح الاقتصادية مع السباق العالمي على النفوذ.

لقد اعتاد الإنسان الاحتفاء بكل اكتشاف يوسّع قدرته، دواء ينقذ حياة، وآلة تختصر المسافة، وشبكة تصل البشر بعضهم ببعض.

والعلم أحد أعظم مصادر النهوض الإنساني؛ يحررنا من الخرافة والجهل، ويمنحنا أدوات لفهم الكون وتحسين الحياة. لكن القدرة على الاختراع لا تجيب وحدها عن سؤال الاستخدام.

فالعلم يخبرنا كيف نبني أداة شديدة القوة، لكنه لا يقرر لمن تُمنح، وعلى من تُستخدم، وبأي ثمن إنساني.

لهذا فإن القلق العالمي مشروع. فالذكاء الاصطناعي دخل التعليم والتشخيص الطبي والإعلام والوظائف والقرارات اليومية. كما يستطيع أن يساعد طبيبا في اكتشاف مرض مبكر، وأن يفتح أبواب المعرفة لطفل في قرية بعيدة، لكنه يستطيع أيضا انتحال صوت شخص وصناعة تصريح لم يقله، ومضاعفة التضليل والمراقبة والتمييز. الموضوع ليس أن التقنية شريرة، بل أن قوتها تتسع بسرعة بينما تسير الأسئلة الأخلاقية خلفها مثقلة بالأنانية والمصالح.

من هنا تصبح العلاقة بين العلم والأخلاق والدين أكثر إلحاحا، بوصفها حوارا بين مصادر مختلفة للمعرفة الإنسانية. فالعلم يحلل النتائج المادية والاجتماعية للتكنولوجيا ويقيس مخاطرها، أما البصيرة الأخلاقية والروحية فتطرح ما لا يظهر في جداول الأداء، هل يحفظ هذا الابتكار نبل الإنسان؟ هل يوسع العدالة أم يضاعف الفجوة؟ وهل يخدم الصالح العام أم يحول البشر إلى بيانات وأهداف وأسواق؟

حين تعمل المعرفة العلمية والبصيرة الروحية معا، عندها تُوجّه التكنولوجيا لخدمة الإنسان. وليس المقصود رفض العقل أو تبرير التمييز والسلبية، فالدين حين ينفصل عن البرهان والعدل قد يتحول هو نفسه إلى عائق. المقصود أن الحضارة تحتاج إلى دقة العلم في معرفة الواقع، وإلى قوة القيم في تحديد الاتجاه.

فالقواعد التي نضعها للآلة تكشف، في النهاية، قيم البشر الذين صمموها والشركات التي موّلتها والحكومات التي سمحت باستخدامها.

وقد طرحت مايكروسوفت مؤخرا مسودة مدونة سلوك تلزم أنظمتها بألا تقاوم التصحيح أو الإيقاف، وأن تبقى أفعالها مفهومة للبشر، تحت شعار «الناس أهم من الذكاء الاصطناعي».

وفي أوروبا دخلت قواعد للشفافية حيز التطبيق، ومنها التعريف بالمحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي، ولا سيما التزييف العميق. إنها خطوات مهمة، لكنها تحتاج إلى توافق يتجاوز حدود شركة أو دولة؛ لأن كل طرف يخشى أن يتوقف بينما يواصل الآخرون التقدم.

الحل ليس في الخوف من العلم ولا في تقديسه. الخوف قد يحرمنا فرصا هائلة لعلاج الأمراض وتطوير التعليم وتخفيف الأعمال المرهقة والطويلة، والتسليم الكامل قد يجعلنا نضع قرارنا في يد أداة لا تفهم الرحمة أو العدالة إلا بقدر ما نعلّمها نحن. التوازن يبدأ حين ندرك أن العلم والدين والأخلاق، في أفضل صورهم، ليسوا أندادا، أحدهما يوسع دائرة ما نستطيع فعله، والآخر يذكّرنا لماذا نفعله ولصالح مَن.

وفي مقابل دعوات الإبطاء، يقلل الرئيس الأميركي دونالد ترامب من المخاوف، وينظر إلى القضية من زاوية السباق مع الصين، مؤكدا أن من يفوز بالذكاء الاصطناعي يفوز أخيرا.

لكن الفوز لا تقيسه سرعة المعالجات وحدها، بل نوع القيم التي تحكم استخدامها. فماذا نكون قد ربحنا إذا سبق ذكاء الآلة ضمير الإنسان؟

ــ الغد

مواضيع قد تهمك