د. محمد صبحي العايدي : سنن التدافع (2): التدافع سلوك حضاري والتغالب سلوك استبدادي
إذا كان الاختلاف سنة في الاجتماع الإنساني، فإن المطلوب ليس أن نلغيه، بل أن نحسن إدارته، فالإنسان يختلف بطبيعته، والمجتمعات تتعدد فيها الأفكار والمصالح والاجتهادات، ولكن الفرق بين المجتمع الذي يصنع حضارته، والمجتمع الذي يصنع أزماته هو الفرق بين التدافع والتغالب، فالتدافع سلوك حضاري يحفظ التوازن، والتغالب سلوك سلطوي يحتكر الحق بالقوة.
وهنا يقدم القرآن مفهوما بالغ العمق هو «التدافع»: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾، والتأمل في الآية يكشف مفارقة تستحق الوقوف عندها، حيث لم يجعل القرآن وجود القوى المتعددة سببا للفساد، بل جعل دفع بعضها ببعض مانعا من الفساد، وهذا يعني أن التوازن لا ينتج دائما عن غياب الاختلاف، وإنما وجود الاختلاف المنضبط هو الذي يمنح التوازن ويمنع طرفا واحدا من الاستفراد بالمجال العام.
ومن هنا، يختلف التدافع عن الصراع العدمي؛ فالتدافع لا يستهدف إلغاء الآخر، وإنما يمنع استبداده، ولا يشترط أن يتبنى رأيه، وإنما أن يعترف بحقه في أن يكون له رأي، كما يعترف بحق المجتمع في وضع القواعد التي تمنع من تحول الاختلاف بالرأي إلى عدوان، وأما الصراع العدمي فيبدأ حين لا يعود المطلوب من المخالف أن يناقش، بل أن يصمت، ولا أن يراجع رأيه، بل أن يتراجع عن حقه في إبدائه.
وهذه الفكرة تجد صداها في علم الاجتماع الحديث؛ فقد بينت دراسات الصراع الاجتماعي، ومنها أعمال عالم الاجتماع الألماني جورج زيمل والأميركي لويس كوزر، أن الاختلاف والصراع ليسا بالضرورة عوامل تفكيك أو هدم، بل يمكن للصراع المنضبط أن يؤدي وظائف في إعادة التوازن والتكيف داخل الجماعة.
وهذا قريب من القراءة المقاصدية للتدافع؛ فالشريعة لم تفرض مجتمعا بلا اختلاف، وإنما أقامت من القيم والمؤسسات ما يضبط حركتها: كالشورى، والنصيحة، والاجتهاد، والقضاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب العدل حتى مع الخصومة: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، فالعدل هنا لا يأتي بعد انتهاء الاختلاف، وإنما يعمل في داخل الخصومة.
وفي المؤسسات الحديثة تؤدي الفكرة نفسها صورا مختلفة؛ فالرقابة، والقضاء، والنقد، والإعلام المهني، ومؤسسات المجتمع، وتعدد الآراء داخل المؤسسة، كلها، حين تنضبط بالقانون، تحول دون استفراد قوة واحدة بالقرار والمعرفة، ولهذا فإن المؤسسة القوية ليست التي لا يسمع فيها المسؤول رأيا يخالفه، وإنما التي تستطيع تحويل الاختلاف الخام إلى تدافع مؤسسي منضبط، فحين تضيق قنوات التعبير السلمي لا يختفي الاختلاف، بل يبحث عن قنوات أخرى قد تكون أكثر حدة وأقل انضباطا.
إذ يمكن للسلطة الإدارية أن تتحول من أداة لتنظيم الاختلاف إلى أداة لإنهائه، وهنا يبدأ الخلط بين احترام الوظيفة ووجوب موافقة المسؤول، ويفهم الانضباط الوظيفي على أنه تبعية فكرية، ويصبح الاختلاف مع المسؤول خروجا عليه، والنقد المهني تهديدا لسلطته.
فالسلطة الإدارية تمنح صاحبها حق اتخاذ القرار ضمن القانون، لكنها لا تمنحه احتكار الحقيقة، فالمؤسسات لا يمكن أن تكون نسخة من عقل رجل واحد، والمنصب يمنح صاحبه اختصاصا، لكنه لا يمنحه عصمة فكرية ولا علمية، وإذا كان الاختلاف فقهيا أو علميا أو فكريا، فإن أداة الترجيح فيه هي الحجة لا القوة والسلطة، ولذلك عندما تدخل العقوبة الإدارية إلى مجال يجب أن تحسمه المناقشة العلمية، فإننا نكون أمام خطر الانتقال من التدافع إلى الاستبداد المؤسسي، وهذه واحدة من أخطر لحظات التحول في الاجتماع الإنساني، لأن السلطة حين تستبدل الحوار بالإقصاء، والجماعة حين تعتبر كل مخالف عدوا، ينتقل الجميع من منطق التدافع إلى منطق التغالب.
وهنا تظهر أهمية مبدأ التدافع حيث إنه يقف بين حالتين خطيرتين؛ الفوضى من جهة، والاستبداد من جهة أخرى، فلا يترك القوى تتصارع بلا ضابط، ولا يسمح لقوة واحدة بابتلاع بقية القوى حتى تتحول المؤسسة إلى صوت واحد، والتدافع بهذا المعنى ليس تمردا على السلطة، بل حماية لها من أخطائها؛ وليس تهديدا للمؤسسة، بل إحدى آليات تجديدها.
التدافع سلوك حضاري يحفظ التوازن؛ لأنه يسمح للفكرة أن تقابل الفكرة، وللاجتهاد أن يصحح الاجتهاد، دون أن يتحول الاختلاف إلى معركة وجود، فإذا كان الاختلاف سنة، فإن التدافع هو فقه إدارة هذه السنة.
*الباحث في الفكر الإسلامي
ــ الغد