عماد عواودة : « فرح » .. نقلة في الواجهة الرقمية الحكومية
حين دخل الذكاء الصناعي حياتنا ، لم يدخلها من باب واحد ؛ تسلل إلى الكتابة والصورة والصوت ، ثم بدأ يطرق أبواب الإدارة والاقتصاد والتعليم والإعلام واليوم ، يقف أمامنا بوجه أكثر ألفة : شخصية رقمية اسمها « فرح » ، تتحدث في الشأن الحكومي ، وتنقل المعلومة الرسمية إلى الناس .
قد يكون من المبكر أن نحكم على التجربة ؛ فكل جديد يحتاج إلى زمن حتى يكشف عن وظيفته الحقيقية ، وما يمكن أن يضيفه، وما قد يترتب عليه ؛ لكن الجديد ، حين يدخل المجال العام ، لا يطلب منا التصفيق ولا الرفض ، بقدر ما يطلب منا أن نسأل .
هل « فرح » مجرد وسيلة جديدة للاتصال الحكومي ، أم أنها تجربة أردنية في الاستثمار بالذكاء الصناعي ، واختبار لقدرة هذه التقنية على أن تصبح جزءاً من مؤسسات الدولة؟ .
هل نحن أمام ناطق رقمي يؤدي وظيفة محددة ، أم أمام بداية طريق يمكن أن ينتهي إلى موظفين رقميين في وزارات ومؤسسات أخرى؟ ، وإذا كان الأمر كذلك ، فأين تنتهي حدود « فرح » وتبدأ حدود الإنسان؟ ..
ثم ماذا عن الكلفة؟ ، كم كلف بناء « فرح » وتطويرها وتشغيلها؟ ، وما الذي أنفق على التقنية ، والتصميم ، والبرمجيات ، والبيانات ، والصيانة والتحديث؟ ، وهل جرت مقارنة بين هذه الكلفة وكلفة أدوات الاتصال الحكومي التقليدية؟ ، وما العائد المتوقع من المشروع ، ليس إعلامياً فحسب ، وإنما اقتصادياً وإدارياً؟
وقد يكون السؤال الأبعد : هل « فرح » مشروع اتصال حكومي ، أم أنها أيضاً واجهة عرض لتقنية يمكن أن تصبح سوق أعمال؟ ، فإذا أثبت النموذج نجاحه ، فهل يمكن أن تنتقل الفكرة إلى البنوك والجامعات والمستشفيات والشركات والمؤسسات؟ ، ومن يملك حينها التقنية؟ ، ومن يملك حقوقها؟ ، ومن يستفيد من القيمة الاقتصادية التي قد تنشأ حولها؟ ..
ماذا عن البيانات؟ ، ما مصادر المعلومات التي تتحدث منها « فرح »؟ ، من يراجعها؟ ، من يحدثها؟ ، ومن يضمن ألا تتحول سرعة الآلة إلى سرعة في نشر الخطأ؟
ثم تأتي المساءلة ؛ إذا قالت « فرح » شيئاً غير دقيق ، فمن يُسأل؟ ، وهل يمكن أن تتحول المسؤولية إلى مساحة رمادية تختبئ خلفها الخوارزمية؟ ، هل المسؤول هو من أدخل المعلومة ، أم من راجعها ، أم من اعتمدها ، أم الجهة التي منحت النظام حق النشر؟ ، وماذا يحدث إذا ترتب على معلومة خاطئة ضرر إداري أو قانوني أو مادي أو معنوي؟ ..
ثم هناك سؤال الإنسان ، في مجتمع ما تزال البطالة فيه هاجساً ثقيلاً ، هل الاستثمار في الذكاء الصناعي جزء من صناعة وظائف جديدة ، أم أن بعض ثماره قد تأتي على حساب وظائف بشرية قائمة؟ ، وهل يمكن أن تخلق « فرح » وما حولها فرصاً في البرمجة والبيانات والأمن السيبراني والإعلام الرقمي ، أم أننا سنكتفي بإعجابنا بآلة تؤدي ما كان يؤديه إنسان؟ ..
هل ينبغي أن نقيس نجاح التجربة بعدد المشاهدات وسرعة وصول المعلومة ، أم بقدرتها على بناء الثقة؟ ، وهل يستطيع المتلقي أن يشعر بالثقة نفسها أمام وجه رقمي ، أم أن للإنسان ، مهما بلغت قدراته التقنية ، شيئاً لا تستطيع الخوارزمية تقليده : تحمل المسؤولية عن الكلمة؟ ...
ولعل السؤال الأكثر إثارة : هل تستطيع « فرح » أن تتعلم من الجمهور ، وأن تفهم اختلاف السياقات ، وأن تميز بين السؤال الذي يريد معلومة والسؤال الذي يخفي خلفه قلقاً أو غضباً أو حاجة إلى تفسير؟ ، وهل يمكن أن تنتقل من مجرد ناقل للمعلومة إلى شريك في صناعة المعرفة العامة؟ ...
كل هذه الأسئلة لا تعني بالضرورة أن في التجربة خللاً ، كما لا تعني أن التجربة ناجحة لمجرد أنها جديدة ؛ إنها ببساطة أسئلة مشروعة يفرضها دخول الذكاء الصناعي إلى مساحة كانت ، حتى وقت قريب ، حكراً على الإنسان .
ولربما تكون « فرح » نفسها بحاجة إلى أن تجيب عن بعضها .
فما الذي ستقوله لنا الجهة المشغلة عن كلفة التجربة ، وأهدافها ، وآفاقها ، وحقوقها ، ومسؤولياتها ، وما الذي ستكشفه لنا الأيام عن حدود هذه الشخصية الرقمية وقدرتها على التطور؟ ..
لقد ظهرت « فرح » على الشاشة ...
والآن ، ربما جاء دورنا نحن أن ننتظر ما الذي ستقوله « فرح » في المرة القادمة ، وما الذي ستقوله الجهة التي تقف خلفها ... فربما تحمل الإجابة المقبلة سؤالاً جديداً لم نفكر فيه بعد .