عيسى الحياري : ما أجمل أن تستعيد عمان ألقها حين يتم إنزال حكم القانون على مقتضاه
من حق عمّان على أهلها أن تكون مدينةً يحكمها القانون، ومن حق أهلها عليها أن يجدوا في شوارعها وأرصفتها مكاناً مشتركاً لا ساحةً لتغليب مصلحة فرد على حق الجماعة، ولهذا فإن ما تقوم به أمانة عمّان الكبرى مؤخراً من حملات لتصويب المخالفات وإزالة العوائق والاعتداءات على سعة الشوارع والأرصفة، يستحق التثمين بوصفه خطوة في الاتجاه الصحيح نحو إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة لكنها جوهرية"الشارع والرصيف ملك عام، ولا يجوز أن يتحولا بفعل العادة أو التساهل إلى ملكيات خاصة". وقد أعلنت الأمانة استمرار حملاتها لإزالة العوائق والاعتداءات التي تؤثر في حركة المرور والمشاة، كما باشرت معالجة أو إزالة أشجار تعيق حركة المشاة وإعادة زراعة بعضها في مواقع أخرى، في إطار تعزيز سلامة مستخدمي الأرصفة.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في هذه الإجراءات أنها لا تتعلق بمظهر المدينة وحده، كما قد يتصور البعض، وإنما تمس صميم الحياة اليومية للمواطن؛ فحين يضع أحدهم حاجزاً أو سلسلة أو حجراً أو أي وسيلة لمنع الآخرين من الاصطفاف أمام عقار أو محل، فإنه لا يحجز مكاناً لسيارته فحسب، بل ينقل جزءاً من الحق العام إلى دائرة المنفعة الخاصة، وحين تُغلق الأرصفة بالأشجار أو المنشآت أو البضائع أو العوائق المختلفة، فإن المواطن لا يفقد مجرد مساحة للمشي، بل يُدفع أحياناً إلى النزول إلى الشارع ومزاحمة المركبات، بما يرفع احتمالات الحوادث ويضاعف الاحتكاك بين مستخدمي الطريق.
وهنا تحديداً تكمن أهمية أن تتحول جهود الأمانة من معالجة المخالفة بعد وقوعها إلى تكريس ثقافة قانونية تمنع المخالفة من الأصل؛ فالمشكلة ليست في الحاجز الذي يوضع أمام المنزل أو المحل وحده، وإنما في الفكرة التي تقف خلفه: أن المكان العام يمكن أن يصبح خاصاً بمجرد أن يضع أحدهم عليه حاجزاً، وأن الاعتياد على المخالفة يمكن أن يمنحها بمرور الوقت ما يشبه المشروعية الاجتماعية، حتى يصبح من يطالب بحقه في الطريق أو الرصيف هو الطرف الذي يحتاج إلى تفسير موقفه!
ومن هنا فإن إنفاذ نظام الأبنية والتنظيم داخل مدينة عمّان لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد إجراءات رقابية أو مخالفات وغرامات، وإنما باعتباره جزءاً من منظومة حماية المدينة وحقوق سكانها؛ فالتنظيم الحضري ليس ترفاً إدارياً، ولا مجموعة من الشروط الموضوعة في الملفات، بل هو في جوهره آلية لتنظيم علاقة الناس ببعضهم، وتحديد ما يجوز وما لا يجوز، وحماية حق الفرد من أن يتحول إلى اعتداء على حق غيره.
والحقيقة أن كثيراً من الخلافات التي تقع بين المواطنين تبدأ من تفاصيل تبدو صغيرة: بناء على سطح العمارة المشترك ، موقف سيارة، مدخل مغلق، رصيف محتجز، شجرة تسد الممر، بناء متجاوز، مظلة أو درج أو حاجز أقيم في مساحة مشتركة، ثم تتراكم المشادات الكلامية، ويتدخل الجيران، ويتحول الأمر من خلاف على مساحة في الطريق إلى خصومة شخصية، وقد يتطور في بعض الحالات إلى مشاجرة أو اعتداء أو قطيعة بين أبناء الحي الواحد. ولذلك فإن إنفاذ القانون في هذه التفاصيل ليس تشدداً، بل قد يكون في كثير من الأحيان إجراءً وقائياً يحمي المجتمع من الخصومة قبل أن تبدأ.
إن المواطن عندما يعرف أن إزالة الأبنية المخالفة والحاجز المخالف ستتم وفق القانون، وأن التعدي على الرصيف لن يصبح حقاً مكتسباً بالتقادم، وأن المخالفة لن تبقى قائمة لأن صاحبها اعتاد عليها، فإنه لن يجد نفسه مضطراً للدخول في مواجهة مباشرة مع جاره أو صاحب المحل أو صاحب العقار. وهنا تتراجع مساحة "خذ حقي بيدي"، وتتقدم مساحة "هناك جهة قانونية تطبق النظام"، وهذه إحدى أهم وظائف الدولة ومؤسساتها: أن تمنع المواطن من أن يصبح شرطياً لنفسه، وقاضياً لخصومه، ومنفذاً لحكمه في الشارع.
لكن نجاح هذه الجهود يتطلب أن تكون المعالجة حازمة وعادلة ومستدامة، فلا يكفي أن تزال الحواجز اليوم ثم تعود غداً، ولا أن تزال شجرة أو عائق من شارع بينما تبقى اعتداءات مشابهة في شوارع أخرى دون معالجة. المطلوب هو استمرار الرقابة، وربط المخالفة بملف العقار أو الترخيص حيث يسمح القانون بذلك، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالف، بحيث لا تكون الغرامة مجرد مبلغ يدفعه المخالف ثم يعيد المخالفة، وإنما تكون المنظومة بأكملها مصممة لضمان إزالة سبب المخالفة وعدم تكراره.
وفي هذا السياق، فإن تعزيز الأدوات القانونية لتحصيل المستحقات والمخالفات، ومن ذلك اللجوء إلى الحجز على الأموال أو الممتلكات وفق الإجراءات والضمانات التي يقررها القانون وبعد استنفاد مراحل التبليغ والاعتراض والتنفيذ القانونية، يمكن أن يكون أكثر فاعلية من بقاء المخالفات سنوات طويلة دون أثر عملي. فالقانون الذي لا يصل إلى مرحلة التنفيذ يفقد جزءاً من قوته الردعية، والمخالفة التي لا يترتب عليها أثر حقيقي قد تتحول في الوعي العام من استثناء إلى عادة.
ومع ذلك، فإن قوة القانون لا تعني التعسف في تطبيقه، بل تعني تطبيقه على الجميع وبالمعيار ذاته؛ فالمواطن يريد أن يرى أن الحاجز المخالف يزال سواء كان أمام منزل كبير أو محل صغير، وأن الرصيف حق للمشاة في الحي الراقي كما هو في الحي الشعبي، وأن البناء المخالف لا يصبح مقبولاً لمجرد مرور الزمن، وأن من يلتزم بالتنظيم لا ينبغي أن يشعر بأنه الطرف الخاسر أمام من اختار المخالفة.
وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ لأن احترام القانون لا يُبنى فقط على الخوف من العقوبة، وإنما على شعور المواطن بأن الالتزام به عادل وأن تطبيقه متساوٍ. فإذا رأى المواطن أن المخالف يُجبر على تصويب مخالفته، وأن الملتزم لا يدفع ثمن التزامه، تتعزز الثقة بالمؤسسة العامة، ويصبح احترام النظام جزءاً من السلوك اليومي للمدينة.
ولعل عمّان اليوم أحوج ما تكون إلى هذا النوع من الانضباط الحضري، في ظل تزايد الضغط على الشوارع والأرصفة وارتفاع أعداد المركبات وتوسع الأحياء وتداخل الاستخدامات المختلفة. فالمدينة الحديثة لا تقاس فقط بعدد الشوارع التي تُفتح أو الأبنية التي تُشيّد، وإنما بقدرتها على حماية المجال العام وتنظيمه؛ لأن الرصيف ليس فراغاً متروكاً بين الشارع والبناء، وإنما هو حق للمشاة، والشارع ليس امتداداً لواجهة العقار، والموقف العام ليس ملكاً لمن يضع عليه حاجزاً قبل غيره.
ومن هنا فإننا لا ينبغي أن ننظر إلى حملات أمانة عمّان باعتبارها حملة لإزالة الحواجز والأشجار والعوائق فحسب، بل باعتبارها محاولة لاستعادة مفهوم أوسع: استعادة المدينة للمدينة. استعادة الرصيف للطفل الذي يريد أن يمشي آمناً، وللكبير الذي لا يستطيع السير وسط المركبات، ولذوي الإعاقة الذين يحتاجون إلى ممر واضح، واستعادة الشارع لجميع مستخدميه، واستعادة القانون لمكانته باعتباره الحكم بين الناس.
إن تصويب المخالفات لا ينبغي أن يكون خصومة مع المواطن، بل حماية له من نفسه ومن غيره؛ فحين تمنع الأمانة شخصاً من احتلال الرصيف فهي لا تعاقبه فقط، بل تمنع أن يدخل جاره معه في نزاع، وحين تزيل حاجزاً أقيم لحجز موقف عام فهي لا تنتصر على صاحب الحاجز، بل تنتصر لفكرة أن المكان العام لا يُمتلك بالإرادة الفردية، وحين تفرض التنظيم على البناء والاستعمال فإنها لا تضيق على المدينة، بل تمنع الفوضى التي قد تصبح لاحقاً مصدراً لخلافات ونزاعات وأضرار يصعب علاجها.
إن عمّان تستحق أن تستمر هذه السياسة، وأن تتوسع، وأن تصبح عملاً مؤسسياً دائماً لا مرتبطاً بموسم أو حملة، مع التدرج القانوني في التعامل مع المخالفات، وإعطاء فرص التصويب حيث يجيز القانون، والحزم في الحالات التي تستمر فيها المخالفة، وتطوير أدوات الرصد والمتابعة، حتى يصبح احترام الرصيف والشارع والتنظيم جزءاً من ثقافة المدينة لا مجرد استجابة لحملة تفتيش.
فكل حاجز يزال من رصيف قد يكون خلافاً لم يقع، وكل مخالفة تصوّب قد تكون مشاجرة لم تحدث، وكل شارع يستعيد سعته قد يكون حادثاً جرى تفاديه، وكل رصيف يعود إلى المشاة قد يكون طفلاً أو مسناً أو شخصاً من ذوي الإعاقة أصبح أكثر أمناً.
ولذلك، فإن تثمين جهود أمانة عمّان في هذا المجال لا يعني الاكتفاء بالتصفيق للحملات، وإنما يعني مطالبتها بالمضي أبعد: رقابة مستمرة، تطبيق عادل، تصويب فعلي، وتنفيذ قانوني لا يتوقف عند تحرير المخالفة. فحين ينتصر القانون في تفاصيل المدينة الصغيرة، تنتصر معه السكينة في المجتمع الكبير، وحين يعرف كل فرد أن حقه محفوظ بالقانون، تقل الحاجة إلى أن ينتزع حقه بيده، وتضيق المساحة التي تنبت فيها الخصومات، وتصبح عمّان أكثر أمناً وتنظيماً واحتراماً لحق الإنسان في الطريق والرصيف والمدينة.
فالمدينة التي يحكمها التنظيم، يحكمها أيضاً الهدوء؛ والرصيف الذي يعود إلى المشاة، قد يعيد معه شيئاً من السلم بين الناس.