المفتي احمد العساف : الفكر الإسلامي واستشراف مستقبل الأمة .. من تشخيص الأزمات إلى صناعة الأولويات
لا نكاد نسمع خبر من الأخبار حتى ينقضي بعد لحظات ويختفي لظهور خبر آخر على الساحة يجعلك تغفل عن الخبر الأول أو تنساه أو تتداخل معه الأفكار، وهذا الأمر يجعل التفكير في المستقبل أمر مهم، وصعب، وتحدي يواجه الفرد كما يواجه المجتمع والأمة.
والتفكير في المستقبل في ضمن هذه الحالة والفوضى التي يعيشها العالم مسألة ضرورية سواء للفرد أو الأمة.
حضرت الجلسة الافتتاحية لمؤتمر مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي، والذي كان تحت عنوان: "أولويات الأمة في الخمس والعشرين سنة القادمة 2026-2050"، والذي ضم نخبة من علماء الأمة والمفكرين الإسلاميين، وهنا تبرز لنا أهمية الجهد المبذول في هذه المؤسسة العريقة، وما تقوم به من دور في جمع العلماء والمفكرين والباحثين حول قضايا هذه الأمة الممتدة من الشرق إلى الغرب، وخاصة ونحن بحاجة إلى الجمع بين المرجعية الراسخة المتجذرة وبين الانفتاح على العصر المتسارع في تطوره وتغيره، وبين الاعتزاز بهويتنا الدينية وقدرتنا على الحوار مع الآخرين، والتعايش مع هذا التغير.
سؤال المؤتمر المفتوح: ما هو مستقبل الأمة الذي نريده خلال هذه المدة؟ وبناءً عليه يطرح سؤال آخر عن ترتيب أولوياتنا في هذه الفترة كيف سيكون؟
أن نبني مشروع حضاري للمستقبل يجب أن يكون بعيداً عن الضغوطات الحالية السياسية أو الاقتصادية أو الجهوية أو الإقليمية أو الحزبية، التي تؤثر في قراراتنا في الوضع الحالي، ولكن التفكير الحضاري للمستقبل يحتاج منا إلى أن نستشرف المستقبل وماذا سيحدث فيه وكيف نستعد؟ وما هي الأدوات المتاحة؟ وما هي الأدوات التي نحتاج؟ وأكثر أهمية من ذلك سؤالنا من هو الإنسان الذي نريد حتى يحمل هذه الرسالة؟
هناك تحدِّ مهم يواجه هذه الأمة وهو الذكاء الصناعي والثورة التقنية، وقد عقدت بعض دور الإفتاء والمجامع الفقهية مؤتمرات خاصة لهذا الأمر لما له من أهمية في ذلك، فقد عقد في القاهرة مؤتمر "صناعة المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي" في دار الإفتاء المصرية، وأيضاً ناقش مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته السادسة والعشرون "النوازل المستجدة وأحكام وضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي".
إذاً التحدي القادم هو الذكاء الصناعي وأثره في حياة الإنسان المسلم، فنحن نحتاج إلى بناء أخلاقيات الذكاء الصناعي، لأننا نجد أنفسنا نتعامل مع روبوتات متحركة نسألها فتجيب، فكيف نحافظ على كرامة الإنسان مع وجود الروبوت؟ وكيف نواجه التزييف الرقمي للحقائق والمعلومات؟
فهذا تحدٍّ يتحاج إلى نظر بحيث لا يكون الخطاب الديني مجرد مستجيب متأخر للتطور التقني، بل أن يكون شريكاً في صناعة وصياغة الأخلاق التي تحدد مستقبل البشرية.
وإذا كنا نُحذر من خطورة الأخلاق مع وجود الروبوت فالخوف الأكبر من ضياع الأخلاق لدى البشر، فهذه أزمة نراها بأعيننا في هذا العالم الذي يرى قوى الشر تقتل الأبرياء ولا يحركون ساكناً.
فالعدالة خُلق، والأمانة خُلق، واحترام كرامة الإنسان خُلق، واحترام المقدسات خُلق، وهذه الأخلاق لا تكون إلا في الشخص الذي يتقبل الآخر، ويهتم في الآخر، ويهتم بالأمة وتحدياتها.
وعندما نتكلم عن رؤية لخمسة وعشرين سنة قادمة فإننا نتكلم عن شباب هذه الأمة الذين سيكونون قادة المجتمعات في هذه الفترة، فعلينا أن نشركهم في هذا التفكير لأنهم هم من سيصنعون المستقبل.
فكيف نخاطب هذا الجيل؟ وكيف نتيح لهم الفرصة في المشاركة في التغيير، أو المحافظة على الموجود من أخلاق؟
يكون ذلك من خلال التشاركية معهم حتى نستطيع نحن فهم احتياجاتهم الحالية، ونظرتهم للمستقبل، حتى نضمن استمرار المشروع الإسلامي وتحديد الأوليات خلال الخمسة وعشرين سنة القادمة.
ولا يستطيع أيضاً الفكر الإسلامي التفكير في المستقبل من غير مراعاة للقضية الفلسطينية والقدس، فهذه قضية محورية إسلامية وعالمية، تاريخياً وحاضراً ومستقبلاً، فهذه القضية تحتاج إلى بناء وعي ومعرفي طويل الأمد بحيث يحفظ للقدس مكانتها الإسلامية والتاريخية في ذاكرة قادة المستقبل.
وأقترح أن يتم إنشاء مرصد إسلامي للمستقبل لمواجهة التحديات القادمة، فنحن أمام تحولات مفصلية وخطيرة في الأمة الإسلامية تحتاج منا إلى نظرة استباقية للأمور وللمستقبل، تتيح لنا مواكبة المستجدات في عالم سريع التغيرات والتحولات، حتى تكون قراراتنا أكثر دقة، وأقل ضرراً، وأكبر نجاحاً.
ختاماً فإن جهود مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي واضحة وظاهرة، واستشرافها للمستقبل أمر مهم بل هو ضروري، خاصة ونحن نتعامل مع مؤسسة تتمتع بفكر منفتح على العالم الإسلامي والاعتدال والحوار، وكل ذلك خدمة للدين والإنسان المسلم.
ولعل أبرز ما يمكن أن يخرج به هذا الفكر المستقبلي أن ننظر إلى أفق زمني طويل يفسر ما يحدث الآن، ويشارك في وضع إجابات حالية ومستقبلية، ولذلك علينا أن نجيب على سؤال مهم: ما هي أوليات الأمة خلال السنوات القادمة؟