اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

داود عمر داود : ماذا يعني أن تتحدث بريطانيا عن استئصال إسرائيل؟

داود عمر داود : ماذا يعني أن تتحدث بريطانيا عن استئصال إسرائيل؟
أخبارنا :  

تفاجأ العالم بالخطاب البريطاني الجديد تجاه إسرائيل، حيث شنت حكومة بريطانيا هجوماً غير مسبوق ضد اليهود وإسرائيل، لأول مرة منذ أن زرع الإنجليز اليهود زرعاً في فلسطين، وأقاموا لهم الكيان.


فقد أدلى وزير الخارجية البريطاني، "إد ميليباند"، بتصريحات نارية وصف فيها اليهود وإسرائيل بـ "الوباء السياسي والإنساني الذي يجب استئصاله"، قائلا: "إن هذه المنظومة الفاشية تشكل التهديد الأول لمستقبل الإنسانية وقيم العدالة الدولية". مثل هذه التصريحات غير المسبوقة لم تأتِ من قبل أشد أعداء إسرائيل، فما بالك أن تأتي ممن أقاموها؟ فما الذي يجري؟


إعادة صياغة السياسية البريطانية:

لم يمض على تشكيل الحكومة البريطانية الجديدة برئاسة "آندي بيرنهام" أقل من شهرين، وها هي تعيد صياغة السياسية الخارجية البريطانية بشكل جذري، تحت مبرر التعاطف مع معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، وفي ضوء ما يقوم به المستوطنون في الضفة الغربية من اعتداءات، مما اعتبرته تدميراً ممنهجاً لفرص حل الدولتين.


لذلك قررت الحكومة البريطانية منع استيراد المنتجات والسلع من مستوطنات الضفة الغربية، التي تعتبرها لندن مستوطنات غير شرعية بموجب القانون الدولي. كما فرضت عقوبات على شركاتٍ وأفرادٍ ممن يقدمون الخدمات لمشاريع المستوطنات.


الرد الإسرائيلي على موقف بريطانيا:

أثارت العقوبات البريطانية غضب إسرائيل التي ردت بإغلاق قنصلية بريطانيا في القدس الشرقية. كم أبلغت السفير البريطاني وطاقم السفارة بالمغادرة خلال 30 يوماً.


وقد تبين أن عقوبات لندن لم تكن عملاً فردياً بل جاءت ضمن تحرك دولي غربي شمل مجموعة من الدول الغربية على رأسها فرنسا وكندا، مع دعوة باقي دول الاتحاد الأوروبي للحذو حذوها، ضمن مسعى مشتركاً يستهدف محاصرة التوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة.


رد الثنائي سموتريتش وبن غفير:

ثم قام الثنائي: "سموتريتش"، وزير المالية الكيان، "وبن غفير" وزير الأمن، بالإدلاء بتصريحات عكست حجم الغضب الإسرائيلي. إذ طالب "سموتريتش" بطرد السفير البريطاني، متهماً لندن بـ "مهاجمة اليهود وإسرائيل". وقال إن إسرائيل لن تكون "مداساً لحكومة (بريطانيا) المعادية للسامية". مضيفاً أن "الإنتداب البريطاني قد انتهى"!


بينما قال "بن غفير" إنه "حان الوقت لكي تعترف إسرائيل علناً بأن جزر الفوكلاند هي أرض أرجنتينية محتلة، سرقها البريطانيون بالقوة"، داعيا إلى فرض عقوبات على بريطانيا ما دام احتلال الجزر مستمراً.


كيف تعرقل إسرائيل حل الدولتين:

تبرر لندن عقوباتها بأن إسرائيل تقوم بإجراءات على الأرض تحول دون تحقيق حل الدولتين، من خلال خطتها لإنشاء مستوطنات جديدة، ضمن "مشروع E1"، الذي يُعتبرُ مخططاً استيطانياً بمساحة 12 كيلومتراً مربعاً، بين القدس المحتلة ومستوطنة "معاليه أدوميم"، يمتد عبر البلدات الفلسطينية "عناتا والعيساوية والزَعَيّم والعيزرية وأبو ديس". الهدف منه دمج "معاليه أدوميم" بالقدس ضمن ما يسمى بمشروع "القدس الكبرى". ورغم أن هذا المشروع قديم يعود إلى التسعينيات، إلا أنه عاد للظهور عندما طرح الاحتلال مناقصات لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية، رغم الاعتراضات الدولية على ذلك.


وتقول الحكومة البريطانية إنها تضغط من أجل وقف هذا المشروع للحيلولة دون إيجاد كتلة استيطانية إسرائيلية متصلة، تقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، وتعزل القدس الشرقية عن باقي الضفة، وبالتالي تحول دون إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.


تاريخياً: بريطانيا جعلت إسرائيل واجهة الحرب الصليبية الجديدة:

عندما قررت بريطانيا، في القرن التاسع عشر، وهي في أوج قوتها الاستعمارية، إستئناف الحروب الصليبية، خشيت من أن تكرار تجربتها السابقة الفاشلة، حين قامت بالحملة الصليبية الثالثة، (1189-1192)، بقيادة الملك "ريتشارد الأول"، الملقب بـ "ريتشارد قلب الأسد"، الذي هزمه القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي.


لذلك قرر حكماء الإنجليز، عام 1850، دراسة الأوضاع في فلسطين عن كثب، حتى يتمكنوا من تجنب هزيمتهم السابقة. وعليه أرسلوا لهذه المهمة الخطيرة ضابطاً متمرساً وخبيراً في المنطقة، هو "الكولونيل تشارلز هنري تشرشل"، الذي كان قد شغل منصب القنصل البريطاني في بلاد الشام، في أربعينيات القرن التاسع عشر. وهو من أجداد "ونستون تشرتشل"، رئيس وزراء بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية.


مكث الضابط "تشرتشل" في القدس مدة عامين، حتى 1852، وهو يدرس الأوضاع. ثم عاد إلى انجلترا وقدم تقريراً اقترح فيه أن تقام في فلسطين دولةٌ يقيمها "التوراتيون"، أي اليهود، ليكونوا هم واجهة الحملة التالية، بدلاً من الواجهة "الصليبية". وفعلاً وجدت بريطانيا ضالتها من خلال هذه الفكرة الجهنمية، فقررت استخدام اليهود كأداة استعمارية تحتل فلسطين باسمهم.


لكن اليهود، في العصر الفيكتوري، كانوا مضطهدين سياسياً، في انجلترا، وممنوعين من دخول البرلمان أو تولي مناصب سياسية. فقام الإنجليز بمعالجة هذه المسألة. وما هي إلا سنوات حتى منحوا اليهود حقوقاً سياسية كاملة، بصدور قانون "إغاثة اليهود"، عام 1858.


وبهذا رفعت بريطانيا من شأن اليهود لديها، وجندتهم للدور الاستعماري الذي سيقومون به في المشرق العربي، لصالح بريطانيا العظمى. ثم أنشأت لهم ذراعاً سياسياً ممثلاً بـ "الحركة الصهيونية" لتحضيرهم للمهمة القذرة القادمة لهم في فلسطين، وهكذا كان.


الخلاصة: استنفذت إسرائيل غرض البقاء:

وبهذا جعلت بريطانيا من إسرائيل "أداة استعمارية" وواجهةً للحرب الصليبية الحديثة، وهم قاموا بواجبهم على أكمل وجه. فماذا يعني إذن أن نسمع وزير خارجية بريطانيا، "اليهودي"، يتحدث عن استئصال إسرائيل؟


غالب الظن أن بريطانيا تريد حل القضية الفلسطينية بطريقتها على غرار نموذج جنوب افريقيا، بعد أن استنفذت "إسرائيل" غرض وجودها، ليجري "استئصالها"، كما أعلن وزير خارجية الدولة التي أوجدتها.


مواضيع قد تهمك