اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. هاني محمود البطش : بين الخوف من التكنولوجيا وصناعة الثروة .. هل نفوّت الفرصة الرقمية؟

م. هاني محمود البطش : بين الخوف من التكنولوجيا وصناعة الثروة .. هل نفوّت الفرصة الرقمية؟
أخبارنا :  

في الوقت الذي تتحول فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الاقتصادات المتقدمة من مجرد أدوات تقنية إلى محركات للاستثمار والإنتاج والثروة، ما زال جزء من نقاشنا العربي يدور بصورة أكبر حول مخاطر التكنولوجيا: هل ستأخذ الوظائف؟ هل ستؤثر في الصحة؟ هل تهدد الخصوصية؟ هل تزيد الجرائم الإلكترونية؟ وهل تؤثر في المجتمع والتعليم والأمن؟


كل هذه الأسئلة مشروعة ومهمة، ولا يمكن تجاهلها. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخوف من التكنولوجيا إلى بديل عن استثمارها.

العالم لا ينتظر.


الذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعًا تقنيًا صغيرًا، بل أصبح اقتصادًا متكاملًا يمتد من مراكز البيانات والرقائق والطاقة والحوسبة السحابية إلى البرمجيات والروبوتات، والخدمات المالية، والصحية، والصناعية. ووفق تقرير Stanford AI Index 2026، تجاوز الاستثمار المؤسسي العالمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي 581 مليارولار خلال عام 2025، بزيادة تقارب 130% عن العام السابق، بينما بلغ الاستثمار الخاص وحده نحو 345 مليار دولار.


هذه الأرقام تعني شيئًا أكبر من مجرد إنفاق شركات التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي.


إنها تعني أن هناك سباقًا عالميًا على امتلاك القيمة الاقتصادية المستقبلية.


الغرب لا يسأل فقط: ما مخاطر التكنولوجيا؟


السؤال الذي يطرحه المستثمر والشركات في الاقتصادات المتقدمة هو أيضًا:

كيف نحول هذه التكنولوجيا إلى شركة؟

كيف نحولها إلى منتج؟

كيف نصدرها؟

كيف نستخدمها لرفع الإنتاجية؟

كيف نبني حولها شركات ناشئة؟

كيف نخلق أسواقًا جديدة؟

كيف نمتلك البيانات والخوارزميات والبنية التحتية التي ستصبح أصولًا اقتصادية؟


وهذا لا يعني أن الدول الغربية تتجاهل المخاطر؛ بالعكس، لديها تشريعات ومؤسسات وأبحاث واسعة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والأمن والخصوصية. لكن الفارق المهم هو أنها تحاول إدارة المخاطر بالتوازي مع الاستثمار في الفرصة.


وهنا يجب أن يكون السؤال العربي مختلفًا.

ليس فقط:

ماذا سيحدث لنا بسبب الذكاء الاصطناعي؟

بل:

ماذا يمكن أن نبني نحن بالذكاء الاصطناعي؟

المشكلة ليست في التكنولوجيا.. بل في موقعنا من اقتصادها

هناك فرق هائل بين دولة تستخدم الذكاء الاصطناعي، ودولة تصنعه وتبيعه وتصدر خدماته ومنتجاته.

يمكن لدولة أن تنفق ملايين الدولارات على شراء أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتبقى في النهاية مستهلكًا للتكنولوجيا.


ودولة أخرى قد تستثمر المبلغ نفسه في بناء شركة، أو منصة، أو نموذج، أو خدمة قابلة للتصدير، فتتحول من مستهلك إلى منتج ومصدر للقيمة.


وهذا هو الفرق بين الاستخدام الرقمي والعمق الرقمي.


صندوق النقد الدولي يشير إلى أن الاقتصادات التي تمتلك قدرة أكبر على إنتاج وتصدير السلع والخدمات الرقمية ودمجها في سلاسل القيمة المحلية تكون أكثر قدرة على جذب الاستثمار المرتبط بعصر الذكاء الاصطناعي، مقارنة بالاقتصادات التي تكتفي باستهلاك التكنولوجيا المستوردة.


هل نخسر فرصًا اقتصادية لأننا نناقش الخطر أكثر من الفرصة؟


ربما.

عندما نناقش الذكاء الاصطناعي في الإعلام والتعليم والمؤسسات، نجد مساحة كبيرة للحديث عن الوظائف التي يمكن أن تختفي، والأخطاء المحتملة، والمخاطر الأخلاقية، والخصوصية، والجرائم الإلكترونية.


لكن كم نتحدث عن:

الشركات الجديدة التي يمكن أن تنشأ؟

الخدمات التي يمكن تصديرها؟

الأسواق العالمية التي يمكن الوصول إليها من عمّان، أو القاهرة، أو الرياض، أو دبي؟

المنتجات العربية التي يمكن بيعها لمليارات المستخدمين؟

البيانات العربية التي يمكن تحويلها إلى قيمة؟

البرمجيات التي يمكن تطويرها محليًا؟

وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يمكن أن يصبحوا منتجات تجارية؟

هذه الأسئلة يجب أن تصبح جزءًا أساسيًا من النقاش.

والأردن مثال مهم

الأردن تحديدًا يمتلك فرصة لا ينبغي إضاعتها.

فالمملكة لا تملك سوقًا محلية ضخمة، وهذه حقيقة تمثل تحديًا، لكنها في الاقتصاد الرقمي ليست بالضرورة عائقًا قاتلًا.

شركة برمجيات في عمّان تستطيع أن تبيع منتجها إلى الخليج وأوروبا وأفريقيا وآسيا دون أن تفتح مصنعًا في كل دولة.


ومطور أردني يستطيع أن يبني نظام ذكاء اصطناعي لشركة في السعودية أو الإمارات أو أوروبا.

وطبيب ومهندس ومحاسب ومصمم ومسوق يمكنه استخدام الذكاء الاصطناعي لبيع خدماته خارج الحدود.


وهنا يمكن أن تتحول المحدودية الجغرافية للسوق الأردني إلى دافع للتصدير الرقمي.


واللافت أن الأردن لديه بالفعل مؤشرات إيجابية؛ فقد أعلنت وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة أن معدل استخدام الذكاء الاصطناعي في الأردن بلغ 27% في النصف الثاني من 2025، ليحتل الأردن المرتبة الثالثة عربيًا والـ 29 عالميًا وفق المؤشر المشار إليه.


كما تشير نتائج PwC لعام 2026 إلى أن 36% من الرؤساء التنفيذيين في الأردن أفادوا بأن شركاتهم تطبق الذكاء الاصطناعي مباشرة في المنتجات أو الخدمات أو تجارب العملاء، فيما أفاد 35% بأن استخدام الذكاء الاصطناعي أدى إلى زيادة الإيرادات.


هذه مؤشرات تقول إن القضية ليست غياب التكنولوجيا بالكامل، وإنما كيف ننتقل من الاستخدام إلى الإنتاج والتوسع والتصدير.

حتى المنطقة العربية بدأت تتحرك

وليس من الإنصاف القول إن العالم العربي يقف متفرجًا.


دول الخليج، على وجه الخصوص، تستثمر بقوة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، والبنية التحتية، ورأس المال، والمواهب. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن دول مجلس التعاون تتحرك بسرعة في الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبحث والتطوير والمواهب، وأن المنطقة تمتلك مقومات مهمة للاستفادة الاقتصادية من هذه التكنولوجيا.

لكن التحدي الأكبر هو الانتقال من شراء التكنولوجيا إلى صناعة التكنولوجيا.


وهذا يتطلب بناء شركات، وتمويل الابتكار، وربط الجامعات بالصناعة، وتحويل البيانات إلى أصول، وتطوير الملكية الفكرية، وتوسيع أسواق الشركات الناشئة، وإنشاء بيئات تنظيمية تسمح بالتجربة دون التضحية بالأمن والحقوق.


لا نريد أن نكرر الخطأ نفسه

في كل موجة تقنية جديدة، هناك من يركز على الخطر، وهناك من يركز على الفرصة.


المشكلة ليست في أن نحذر من المخاطر.

المشكلة أن يصبح التحذير هو استراتيجيتنا الوحيدة.

فالسيارة لها حوادث، لكننا لم نمنع صناعة السيارات.

والطيران يحمل مخاطر، لكننا لم نوقف الطيران.


والإنترنت خلق الجرائم الإلكترونية، لكنه خلق في المقابل اقتصادًا عالميًا بمليارات الدولارات.


والذكاء الاصطناعي سيخلق مخاطر حقيقية، لكنه في الوقت نفسه قد يكون واحدًا من أكبر محركات النمو والإنتاجية والابتكار في هذا القرن.

الحل ليس أن نغلق الباب.



الحل أن نضع حواجز الأمان ونفتح الباب في الوقت نفسه.


من مستهلك للتكنولوجيا إلى شريك في صناعتها


العالم العربي أمام خيار استراتيجي.


إما أن يصبح سوقًا كبيرًا لشراء منتجات الذكاء الاصطناعي التي تنتجها شركات أخرى.


أو يستثمر في الإنسان والبيانات والبنية التحتية والشركات الناشئة والبحث والتطوير، ليصبح جزءًا من سلسلة القيمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

والفرصة ليست فقط في بناء نموذج لغوي عربي.

الفرصة أكبر بكثير.

في الصحة.

في الطاقة.

في المياه.

في الزراعة.

في السياحة.

في الخدمات المالية.

في الصناعة.

في اللوجستيات.

في التعليم.

في الأمن السيبراني.

في الحكومة.

وفي آلاف الخدمات المتخصصة التي يمكن أن تتحول إلى منتجات قابلة للتصدير.


فوفق Deloitte، ورغم أن 66% من المؤسسات في الشرق الأوسط ترى تحسنًا في الكفاءة نتيجة الذكاء الاصطناعي، فإن 34% فقط تستخدمه لإعادة تصميم المنتجات أو العمليات أو نماذج الأعمال بصورة جوهرية. وهذا يعني أن الفجوة ليست في استخدام الذكاء الاصطناعي فقط، بل في تحويله إلى تحول اقتصادي حقيقي.


الخوف وحده لا يصنع اقتصادًا

نحن بحاجة إلى تغيير السؤال.

بدل أن نسأل فقط: هل الذكاء الاصطناعي خطر؟

علينا أن نسأل: كيف نجعل الذكاء الاصطناعي آمنًا ومربحًا في الوقت نفسه؟

بدل: كم وظيفة ستختفي؟

نسأل: كم شركة جديدة يمكن أن نبني؟ وكم وظيفة جديدة يمكن أن نخلق؟

بدل: كيف نحمي أنفسنا من التكنولوجيا؟

نسأل: كيف نحمي أنفسنا ونستثمر في التكنولوجيا في الوقت نفسه؟

فالثروة في عصر الذكاء الاصطناعي لن تأتي فقط لمن يمتلك أحدث التقنيات.

ستذهب إلى من يستطيع تحويل التكنولوجيا إلى قيمة اقتصادية قابلة للتوسع والتصدير.

وقد تكون أكبر خسارة للعالم العربي في السنوات المقبلة ليست أن الذكاء الاصطناعي سيأخذ بعض الوظائف.


بل أن ملايين الفرص الاقتصادية الجديدة ستظهر أمامنا، ثم نجد أنفسنا نستخدم منتجات الآخرين ونناقش مخاطرها… بينما هم يبيعونها لنا ويحققون منها العوائد.


المستقبل لن ينتظر من يخاف من التكنولوجيا، ولن يكافئ من يستخدمها فقط؛ بل سيكافئ من يستطيع أن يحولها إلى اقتصاد، وشركات، ومنتجات، ووظائف، وصادرات.




مواضيع قد تهمك