اسماعيل الشريف : الكاتب الشبح
المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي، والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك - الجاحظ.
أعترف بدايةً بأنني لست كاتبًا مُبدعًا، وأن مستواي في اللغة العربية لا يتجاوز المتوسط. ومع ذلك، وربما لأنني «الأعور بين العميان»، يلجأ إليّ الأقارب والأصدقاء بنصوصهم ومقالاتهم طالبين مني تدقيقها وتحسين صياغتها.
أؤدي هذه المهمة بشَغف وإخلاص، ولا أجد في ذلك أي غضاضة؛ فالكتابة والتدقيق مهارتان تصقلهما الممارسة المستمرة والتعلُّم الدائم. وحين كان والدي - رحمه الله - بيننا، كنت أعرض عليه الأخبار التي أكتبها قبل نشرها في الصحيفة لمراجعتها، أما المقالات فلم تكن لتصل إليه، إذ كنت أستشعر رهبة من أن أعري نفسي أمامه.
غير أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى حياتنا غيّر المعادلة، إذ استغنى عني كثير من الأصدقاء والأقارب بعدما وجدوا فيه بغيتهم، حتى صار اليوم من أبرز مصادر توليد المقالات والنصوص المنشورة.
قبل مدة، جمعتني جلسة بقريبي المليونير، فحدّثني عن قصة مليونه الأول، وكانت قصة مؤثرة حقًّا. ثم فاجأني بقوله: «أريد أن أروي قصتي، فما رأيك أن تكتبها لي مقابل مبلغ مالي؟ أتحدث أنا وتتولى أنت الصياغة». فاعتذرت له بلباقة.
وقبل أيام، تلقيت رسالة من صديقتي الناشطة الطموحة، التي تتطلع إلى شغل منصبٍ ما، تطلب فيها أن أكتب لها مقالًا أسبوعيًّا مقابل أجر، مبررةً ذلك بإعجابها بأسلوبي - على حد قولها. هذه المرة استشعرت شيئًا من الانزعاج، فاعتذرت لها بفتور؛ إذ حال كبريائي دون قبول العرض.
وبعد أن خفّ كبريائي واستعدتُ رُشدي، قلت في نفسي: ولمَ لا؟ فمصطلح «الكاتب الشبح» أو Ghostwriter معروف في عالم الكتابة، ويُطلق على من يتولى كتابة نصوص أو كتب أو مقالات أو خطابات نيابةً عن غيره مقابل مبلغ مالي، على أن يُنسب العمل في النهاية إلى الجهة الدافعة، لا إلى الكاتب الفعلي.
فالكاتب الشبح لا يظفر عادةً بأي اعتراف بملكيته للنص؛ إذ يبقى الاسم الظاهر لصاحب المال. وقد يكون العميل سياسيًّا يسعى لتدوين مذكراته، أو رجل أعمال يرغب في توثيق مسيرته، أو شخصية عامة تريد نشر مقالات تحمل اسمها.
ومن خلال متابعتي، أعرف عددًا من الكتّاب المشهورين الذين يمارسون الكتابة الشبحية. كما أعرف شخصًا يكتب مقالات اقتصادية تُنشر باسم شخصية اقتصادية بارزة، وتحظى ببعضها بآلاف الإعجابات ومئات التعليقات. ولا أدري بصراحة إن كان صاحب الاسم يتولى بنفسه الرد على التعليقات وإدارة النقاش، أم أن الكاتب الشبح هو من يقوم بهذه المهمة أيضًا.
كما أعرف دور نشر تدفع أجورًا زهيدة لكتّاب أشباح يتولون تأليف روايات تُعرض على أنها أعمال مترجمة. فالقرّاء يميلون إلى الروايات التي تنقل آداب وثقافات بلدان بعيدة، مما يضطر الكاتب الشبح إلى البحث والاطلاع على ثقافة البلد الذي ستُنسب إليه الرواية، ثم يكتبها تحت اسم مستعار، لتصدر في النهاية بوصفها رواية عالمية مترجمة.
ولعل أشهر قصة عربية في عالم الكتابة الشبحية هي ما يُروى عن الراحل نزار قباني الذي كتب رواية نُسبت إلى كاتبة عربية، فنالت عنها جوائز عديدة، وفتحت أمامها أبواب الشُّهرة لتصبح من أبرز الروائيات العربيات. وحتى بعد رحيل نزار، ما زالت هذه الروائية تحظى بشهرة واسعة.
والحقيقة أن الكتابة مهنة كسائر المهن، ولا أرى غضاضة في أن يعمل الكاتب ككاتب شبح؛ فالفيلسوف يبيع نتاج فكره، والطبيب والمهندس يبيعان خبرتهما ووقتهما، فلماذا لا يبيع الكاتب أفكاره ووقته وأسلوبه؟ فكل شيء في هذا العالم له قيمة، ويمكن أن يخضع للتبادل، خصوصًا في ظل تراجع الاهتمام بالمقالة، حتى إن بعض المسؤولين يرون أن منشورًا واحدًا على مواقع التواصل الاجتماعي قد يفوق تأثيره عشرات المقالات، في وقت يعاني فيه كثير من الكتّاب المبدعين من ضيق العيش، وتُنشر مقالات عديدة في الصحف دون أي مقابل مادي.
وفي رأيي، وكما توجد رابطة للكتّاب الأردنيين واتحاد للكتّاب الأردنيين، فقد يكون إنشاء كيان خاص بالكتّاب الأشباح فكرة جديرة بالنقاش، يهدف إلى حفظ حقوقهم ووضع أسس واضحة لعملهم وأجورهم. وبالطبع، يبقى الانتساب إلى هذا الكيان أمرًا سريًّا بطبيعته، فالكاتب الشبح يعمل أصلًا خلف الستار!.
ــ الدستور