:أمل محي الدين الكردي : التحديث السياسي.. " بين محطة النصوص وانطلاقة الميدان."
بقلم :أمل محي الدين الكردي
لم يكن قرار الذهاب نحو مسار التحديث السياسي والإداري ترفاً فكرياً أو خياراً عابراً، بل جاء استجابة لضرورة وطنية ملحة تفرضها متغيرات العصر وحاجة الدولة الملحة لتجديد دمائها ومؤسساتها. غير أن الأسئلة الكبرى التي تتردد اليوم في صالونات النخب وعلى ألسنة المهتمين بالشأن العام لا تقتصر على "جدوى البدايات"، بل تتجاوزها إلى "سرعة الخطى" و"مدى التطابق بين ما نصه الورق وما يفرضه واقع الميدان".
في كل مسار إصلاحي، تبرز دائماً ثنائية طالما شكلت اختباراً حقيقياً للنوايا والقدرات: ثنائية "النص التشريعي الواعد" و"البيروقراطية البطيئة". وحين يتعلق الأمر بالعمل السياسي والحزبي، فإن الأوراق والمظلات القانونية وحدها لا تكفي لصناعة التحول ما لم تقترن بإرادة مؤسسية حقيقية تؤمن بأن التشارك ليس منحة بل هو ركيزة أساسية لاستقرار البناء وتطوره. إن الركون إلى النصوص وحدها دون تذليل العقبات الفعلية أمام المشاركين والمبادرين قد يحول مسارات التحديث إلى مشاريع مؤجلة تبحث عن ذاتها وسط زحام التفاصيل الإدارية التقليدية.
المرحلة اليوم لا تحتمل رمي التهم جزافاً ولا الاكتفاء بتقديم شهادات نجاح نظرية، بل تستدعي وقفة مصارحة شجاعة تقيّم الأداء بموضوعية تامة. أين أخفقنا في التقاط الإشارات؟ وأين تباطأت المؤسسات في فتح الأبواب أمام الكفاءات الحقيقية والوجوه الجديدة القادرة على تقديم إيثار المصلحة العامة على الاعتبارات الضيقة؟ هذه الأسئلة ليست جلداً للذات، بل هي طوق نجاة لأي مسار جاد يطمح لأن يترك أثراً حقيقياً في حياة الناس ووعيهم.
إن الرهان الحقيقي يكمن في وعي الجيل القادم، وفي قدرة الأحزاب ومؤسسات المجتمع على مغادرة المربعات الضيقة لتكون جزءاً فاعلاً من الحل لا عبئاً إضافياً على كاهل الدولة. وفي ظل ما يشهده الوضع الراهن من تحديات دقيقة وضغوط متسارعة، لم يعد التحديث السياسي خياراً إدارياً قابلاً للتأجيل، بل درعاً وطنياً حصيناً يتطلب إرادة صلبة تترجم النصوص إلى أفعال، وتضع المصلحة العليا فوق كل اعتبار.