اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : الضفة الغربية والمواجهة القادمة

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : الضفة الغربية والمواجهة القادمة
أخبارنا :  

يقف المشهد الفلسطيني اليوم، وتحديداً في الضفة الغربية، أمام لحظة مفصلية لا تحتمل مواربة الكلمات ولا ترف التوصيف الدبلوماسي. يدرك المتابعون أن ما يجري في تلال الضفة وقراها ومخيماتها ليس مجرد توترات أمنية عابرة، بل هو تحول هيكلي جذري تديره عقلية استيطانية تسابق الزمن لفرض وقائع الضم الصامت والتهجير التدريجي وتقويض أي أفق لدولة فلسطينية مستقلة.

تخضع الضفة الغربية لعملية إعادة تشكيل شاملة لجغرافيتها وديمغرافيتها. فالتقارير الميدانية والتحليلات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الرصد ومؤسسات حقوق الإنسان تؤكد انتقال السيطرة الإدارية والتخطيطية في كثير من المناطق الاستراتيجية إلى أيدي الأجهزة الاستيطانية المباشرة، بالتوازي مع تسليح الميليشيات التابعة لها وتوسيع البؤر الرعوية والزراعية لعزل التجمعات الفلسطينية وتفتيتها إلى كانتونات مقطوعة الأوصال.

هذا التمدد الاستيطاني الشرس، المترافق مع اقتحامات عسكرية يومية ومصادرة للأراضي وعقوبات اقتصادية خانقة تُمارس ضد السلطة الوطنية والمجتمع المدني، خلق حالة من الاحتقان غير المسبوق. لم يعد الاحتلال يدير صراعاً أمنياً، بل ينفذ خطة حسم متكاملة تستهدف كسر إرادة الصمود وتفريغ الأرض، وهو ما يجعل الواقع الفلسطيني في حالة دفاع حتمي عن البقاء.

عند تفكيك احتمالات اندلاع انتفاضة ثالثة في المستقبل القريب، تتطابق التقديرات الميدانية والتحليلية على أن الضفة تعيش بالفعل إرهاصات انتفاضة ولكنها ذات طبيعة مغايرة. فنموذج الانتفاضات التقليدية السابقة قد لا يتكرر في الشكل بفعل الحصار والتقطيع الجغرافي، غير أن البديل هو حالة اشتعال مستدامة ومواجهات متدحرجة وموزعة جغرافياً بين مراكز المدن والقرى المحاذية للبؤر الاستيطانية.

أن الصاعق الأكثر خطورة يكمن في المساس بالوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. إن أي احتكاك واسع في الحرم القدسي الشريف، أو تصاعد دموي كبير في اعتداءات المستوطنين، كفيل بكسر حواجز الضبط وتحويل العمليات الفردية والتصدي الشعبي المحلي إلى حراك انتفاضي عارم ومفتوح يمتد على طول الجغرافيا الفلسطينية ويتجاوز كل الترتيبات الأمنية.

وقبيل الانتخابات الاسرائيلية بات هناك إجماع عريض داخل مختلف التيارات الحزبية الإسرائيلية على رفض حل الدولتين، ورفض التنازل عن السيطرة الأمنية الشاملة غرب نهر الأردن. وعليه، فإن أي استحقاقات سياسية قادمة في تل أبيب لن تنتج تغييراً جوهرياً في السياسات الميدانية تجاه الضفة، بل ستتجه على الأرجح إلى تصعيد وتيرة البناء الاستيطاني، وتشديد القبضة الأمنية، ومحاولة حسم مصير القدس ومناطق مهمة في الضفة الغربية لقطع الطريق أمام أي تسوية سياسية مستقبلية.

وترسم المعطيات الميدانية والسياسية ملمحين رئيسيين لمرحلة السنوات القليلة المقبلة: اولهما تآكل القدرة على الضبط الأمني، اذ سيصل انسداد الأفق السياسي وتراجع الموارد الاقتصادية إلى مرحلة يصعب معها احتواء الغضب الشعبي والشبابي، مما يجعل المواجهة مع الاحتلال والمستوطنين خياراً حتمياً. وثانيهما، تسارع محاولات الحسم الجغرافي حيث سيكثف المشروع الاستيطاني محاولات عزل القدس الشرقية وفصل شمال الضفة عن جنوبها مما سيولد بؤر احتكاك واشتعال يومية.

إن التشخيص الدقيق للواقع يفرض التسليم بأن الصراع قد دخل مرحلة اللاعودة. فالاستقرار لا يُبنى على أنقاض الحقوق الوطنية، والرهان الإسرائيلي على تطويع الإرادة الفلسطينية بالقوة المفرطة هو رهان أثبت التاريخ عُقمه. ستبقى الضفة الغربية، بتجذر أهلها وصمودهم، عصية على التصفية، وأقرب إلى الانفجار منها إلى الركود، ما لم يتحرك الضمير العالمي لانصاف شعب يناضل من أجل حريته وكرامته.


مواضيع قد تهمك