د. أريج تليلان السليّم : الزيارة الملكية للصين: الرؤية والاشتباك الاستراتيجي مع المستقبل
عندما نقرأ حراك جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في جمهورية الصين الشعبية بتمعّن استراتيجي، ندرك أننا أمام هندسة دقيقة لإعادة رسم التموضع الأردني في قلب المستقبل. تكمن قوة الرسالة الملكية في تسلسل مسار الزيارة ذاته؛ فلم تبدأ من الأروقة الرسمية المغلقة في العاصمة بكين، بل انطلقت ميدانياً من قلب الثورة الصناعية والتقنية في شنغهاي، لتمر بشينجن عاصمة الابتكار والأتمتة والذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء، وتتوج في محطتها الأخيرة بلقاءات سياسية رفيعة المستوى في بكين شملت رئيس الدولة، وقيادات الحزب الشيوعي الصيني، وعدداً من كبار القيادات السياسية. هذا الترتيب الميداني الفريد يبعث برسالة واضحة مفادها أن التكنولوجيا والابتكار والتطوير الصناعي والدوائي هي الجوهر والهدف الأساسي للدولة الأردنية، وليست مجرد هامش يناقش بعد التوافقات البروتوكولية.
إن التوجه الأردني نحو الشرق يمثل خياراً استشرافياً ذكياً لتوسيع محفظة خيارات المملكة الدولية وتعميق علاقاتها مع صانعي المستقبل عبر مفهوم «الاشتباك الإيجابي»؛ فالأردن لا يسعى لإقصاء شركائه التاريخيين من القوى العظمى، بل يمارس مرونة استراتيجية تهدف إلى الانفتاح على الصين بصفتها المصنع الأول للخبرات التكنولوجية المتسارعة، وهو التطور الذي بات يعيد تشكيل موازين القوى العالمية. ولا تقف الرؤية الملكية عند حدود توقيع الاتفاقيات النظرية، بل تتعداها إلى إحداث انعكاس اقتصادي حقيقي يلمسه الاقتصاد الوطني، ويتدفق في شرايين القطاعات التعليمية والثقافية والسياحية والتجارية، ليعود بأثر مباشر وملموس على مستوى معيشة الفرد والمواطن الأردني.
ومما يعزز عمق هذه الرؤية ويرسخ أبعادها، ذلك الاستقبال المهيب الاستثنائي الذي قُوبل به جلالة الملك؛ فبرغم الفارق الشاسع بين الأردن والصين في المساحة، وعدد السكان، والإمكانات الاقتصادية والعسكرية، إلا أن الحفاوة الرسمية رفيعة المستوى تعكس إدراكاً صينياً عميقاً للوزن الاستراتيجي والسياسي المحوري الذي يمثله جلالته على الساحة الدولية. إن هذا التقدير الكبير يؤكد أن مكانة الدول في عين القوى العظمى لا تُقاس بالمسافات والأرقام المجردة، بل بحكمة القيادة، وثقل حضورها العالمي، وقدرتها على صياغة التوازنات وتحديد اتجاهات المستقبل، وهو ما جعل للأردن هيبة خاصة وصوتاً مسموعاً في أروقة القرار الصيني.
وهنا يكمن التلاقي الجوهري بين حراك القيادة الاستراتيجي والاستعداد المجتمعي والتعليمي؛ وهو ما أعدتُ التأكيد عليه مراراً خلال استضافاتي المتعددة عبر البرامج التلفزيونية، حيث شدّدتُ على أن استشراف المستقبل في علاقاتنا الاستراتيجية مع الصين يتطلب إعداد العدة وامتلاك الأدوات الكفيلة بهذا الانطلاق. وتأتي في مقدمة هذه الأدوات ضرورة إتقان اللغة الصينية والتوسع في التبادل الثقافي والعلمي، وفتح أبواب المنح الدراسية الواسعة لأبنائنا في كبرى الجامعات الصينية، إلى جانب العمل على استقطاب العقول والخبرات الصينية المتقدمة إلى الأردن. إن تمكين كوادرنا الوطنية من هذه المهارات هو الشفرة الاستراتيجية لفك المعرفة الصينية وتوطينها، وتشكيل تثاقف اقتصادي يتيح تحويل المملكة إلى نقطة الارتكاز المركزية للتكنولوجيا في المنطقة.
من جانب آخر، أسهم الاهتمام الإعلامي الصيني المكثف بالجولة الملكية، والتي أفردت لها وسائل الإعلام الرسمية والخاصة مساحات موسعة سلطت الضوء على شخصية جلالة الملك ودوره المحوري، في فتح آفاق غير مسبوقة للدبلوماسية السياحية والاستثمارية. لقد قدمت هذه التغطية الواسعة الأردن أمام أكثر من مليار صيني كحاضنة آمنة ومستقرة ووجهة سياحية وثقافية فريدة تزخر بالمعالم التاريخية والطبيعية كالبترا ووادي رم والبحر الميت، مما يمهد الطريق لتدفقات سياحية واستثمارية ضخمة تزخم مختلف القطاعات الوطنية.
لقد فتح جلالة الملك أفقاً استراتيجياً غير مسبوق، ومدّ جسوراً متينة تحاكي لغة العالم الجديد ليضع الأردن حيث يجب أن يكون دائماً: في قلب العصر.