اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. سعيد المصري : من استقرار الاقتصاد إلى صناعة النمو: هل تترجم الإدارة العامة الدبلوماسية الملكية إلى استثمارات؟

م. سعيد المصري : من استقرار الاقتصاد إلى صناعة النمو: هل تترجم الإدارة العامة الدبلوماسية الملكية إلى استثمارات؟
أخبارنا :  

أصدر منتدى الاستراتيجيات الأردني ورقة سياسات بعنوان «استدامة استقرار الاقتصاد الكلي في الأردن: ما وراء النمو والتضخم»، خلصت إلى أن الأردن نجح، رغم الصدمات الخارجية والاضطرابات الجيوسياسية المتلاحقة، في المحافظة على معدلات نمو حقيقية إيجابية ومستقرة، باستثناء عام جائحة كورونا، وفي إبقاء التضخم ضمن مستويات منخفضة، مستنداً إلى سياسة نقدية حصيفة، واستقرار سعر صرف الدينار، ومستويات مريحة من الاحتياطيات الأجنبية.


كما أظهرت الورقة تحسناً تدريجياً في قدرة الحكومة على تعبئة الإيرادات المحلية، إذ ارتفعت الإيرادات الضريبية من 13.9% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2010 إلى 15.4% عام 2024، وارتفع إجمالي الإيرادات المحلية من 19.9% إلى 21% من الناتج خلال الفترة ذاتها. وهي مؤشرات تؤكد أن الأردن استطاع تثبيت أرضية اقتصاده وحماية استقراره المالي والنقدي في محيط شديد الاضطراب.


غير أن المحافظة على الاستقرار، على أهميتها، لا تكفي وحدها لمعالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني. فالنمو الذي يتراوح غالباً حول 3% يبقى أدنى من المستوى اللازم لتخفيض البطالة، وتحسين دخل الفرد، وتوسيع الطبقة الوسطى، وتوليد إيرادات عامة تكفي للحد من العجز السنوي واللجوء المتكرر إلى الاقتراض.


وقد بلغ عجز الموازنة بعد المنح لعام 2026 نحو 2.125 مليار دينار، بينما لا تزال الإيرادات المحلية تغطي قرابة 89% من النفقات الجارية. وهذا يعني أن جزءاً مهماً من الاقتراض لا يذهب إلى تمويل توسع استثماري منتج فحسب، بل إلى سد فجوة سنوية متجددة بين الإيرادات والنفقات. ومن هنا يصبح التحدي الحقيقي هو الانتقال من إدارة العجز إلى توسيع القاعدة الاقتصادية التي تولّد الإيرادات.


في هذا السياق، تكتسب الزيارات الملكية المتتابعة إلى دول آسيا أهمية استراتيجية تتجاوز إطار العلاقات الدبلوماسية التقليدية. فقد شملت التحركات الملكية أوزبكستان وكازاخستان في آسيا الوسطى، ثم اليابان وفيتنام وسنغافورة وإندونيسيا وباكستان، وصولاً إلى زيارة الدولة الأخيرة إلى الصين، بما تضمنته من لقاءات مع القيادة الصينية وكبرى الشركات والمؤسسات الاقتصادية والتكنولوجية.


وقد فتحت هذه الزيارات أبواباً واسعة للتعاون في قطاعات التكنولوجيا، والطاقة، والنقل والخدمات اللوجستية، والسياحة، والزراعة، والصناعات الدوائية والغذائية والهندسية، والبنية التحتية، والاقتصاد الرقمي. لكن القيمة الاقتصادية لهذه الجولات لن تقاس بعدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة، وإنما بحجم المشاريع التي ستقام فعلياً، وقيمة رأس المال الذي سيتدفق إلى المملكة، وعدد فرص العمل التي ستنشأ، ومقدار القيمة المضافة والصادرات والإيرادات العامة التي ستتحقق.


ولذلك، يحتاج الأردن إلى تحويل العلاقات التي أسست لها الزيارات الملكية إلى ما يمكن تسميته «تجمعاً استثمارياً آسيوياً متنوعاً»، لا يعتمد على دولة واحدة أو قطاع واحد، بل يجمع مؤسسات التمويل وصناديق الثروة السيادية والشركات الصناعية والتكنولوجية من الصين واليابان ودول جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى، بالشراكة مع القطاع الخاص الأردني والمؤسسات الاستثمارية الوطنية.


ولا يشترط أن يأخذ هذا التجمع شكلاً سياسياً أو مؤسسياً معقداً، بل يمكن أن يعمل من خلال منصة تنفيذية أردنية موحدة، تعرض محفظة محددة من المشاريع المدروسة، وتربط كل مشروع بالشريك الآسيوي الأنسب من حيث التمويل والتكنولوجيا والأسواق والخبرة التشغيلية. وبهذا يتحول تنوع العلاقات الآسيوية إلى تنوع في مصادر الاستثمار، ويقل اعتماد الأردن على نطاق ضيق من الشركاء والأسواق ومصادر التمويل.


غير أن السؤال الأهم يبقى: هل منظومة الإدارة العامة قادرة على استيعاب نتائج هذا الحراك الملكي وترجمة الاتفاقيات والتفاهمات إلى مشاريع قائمة على الأرض؟


المستثمر الأجنبي لا يكتفي بالاستقرار السياسي أو بحفاوة الاستقبال، بل يحتاج إلى أرض مهيأة، وطاقة ومياه ونقل واتصال، وقرارات واضحة، ومدد زمنية ملزمة، ومرجعية حكومية واحدة تتحمل مسؤولية المشروع من لحظة طرحه حتى بدء التشغيل. كما يحتاج إلى بيئة تشريعية مستقرة، وإجراءات ترخيص غير متضاربة، وقدرة على تحويل الأموال والتعاقد والتوظيف والوصول إلى الأسواق دون الوقوع في حلقات بيروقراطية لا تنتهي.


وهنا ينبغي ألا يكون التيسير على المستثمرين مرادفاً للتساهل في حقوق الدولة أو الإضرار بالبيئة والموارد الوطنية. المطلوب هو حرية عمل واضحة ومنضبطة، تقوم على سرعة القرار وشفافية الإجراءات وتكافؤ الفرص، مع الالتزام الصارم باستدامة المياه والطاقة والأراضي والموارد الطبيعية، وتقييم الأثر البيئي والاجتماعي، ومنع الاحتكار أو منح امتيازات غير متوازنة.


وتحتاج الحكومة، لذلك، إلى إنشاء فريق تنفيذي دائم لمتابعة مخرجات الزيارات الملكية، يرتبط مباشرة بمركز القرار، ويضم الجهات الاقتصادية والاستثمارية والتنظيمية المعنية، ويحول كل اتفاقية إلى خطة عمل تتضمن المشروع والشريك والتمويل والموقع والمتطلبات التنظيمية والجدول الزمني والجهة المسؤولة ومؤشرات الإنجاز. كما يجب إصدار تقرير دوري يوضح ما انتقل من مذكرات التفاهم إلى دراسات الجدوى، ثم إلى الإغلاق المالي والتنفيذ والتشغيل.


ولا ينبغي الافتراض أن الاستثمارات الجديدة ستغطي فوراً عجزاً يتجاوز ملياري دينار؛ فالمشاريع تحتاج إلى وقت قبل أن تبدأ بتوليد الضرائب والرسوم وفرص العمل والصادرات.


لكن بناء قاعدة متراكمة من الاستثمارات الإنتاجية هو الطريق الأكثر استدامة لزيادة الإيرادات، وتخفيض العجز الأولي، وإبطاء نمو الدين، بدلاً من معالجة الفجوة المالية سنوياً بمزيد من الاقتراض أو بزيادة الأعباء الضريبية على القاعدة الاقتصادية القائمة.


لقد نجح الأردن في حماية استقراره المالي والنقدي، ونجحت الدبلوماسية الملكية في فتح أبواب اقتصادية واسعة شرقاً. أما المرحلة المقبلة فهي امتحان للإدارة العامة: هل تستطيع العبور من الاتفاقية إلى المشروع، ومن المشروع إلى الإنتاج، ومن الإنتاج إلى النمو والإيرادات وفرص العمل؟ هنا فقط تتحول الزيارات الملكية من فرص واعدة إلى قوة اقتصادية قادرة على تغيير مسار الاقتصاد الوطني.


مواضيع قد تهمك