م. عامر البشير : عمّان بين سكة الجبل والتلفريك
قراءة حضرية في خيارات الوصول إلى جبل القلعة وعلاقتها بوسط المدينة
لا تبدأ مشروعات المدن دائماً من لحظة الإعلان عنها؛ فالمدينة تحفظ في أدراجها تصورات لم تُنفّذ، ودراسات توقفت، ثم يعود بعضها في صورة جديدة.
ومن هنا، لا ينبغي أن يبدأ الحديث عن ربط جبل القلعة بالمدرج الروماني من مشروع التلفريك المطروح اليوم وحده، بل من سؤال أقدم: كيف يمكن اختصار الصعود من الساحة الهاشمية إلى جبل القلعة، من دون أن يتحول الموقع الأثري إلى جزيرة معزولة عن محيطه؟
إنه سؤال في النقل، لكنه في جوهره سؤال في فلسفة المدينة: هل نصل إلى التاريخ عبر الأرض، أم نعبر إليه من السماء؟
الفكرة الأولى
تعود فكرة الربط إلى إدارة أمين عمّان الأسبق المهندس عمر المعاني، حين وُضعت تصوراتها عامي 2008 و2009 ضمن مشروع «وادي عمّان–وادي فيلادلفيا»، الذي نظر إلى وسط البلد بوصفه نطاقاً حضرياً متكاملاً، لا مجموعة من المواقع المتفرقة.
وفي نهاية عام 2010، طرحت أمانة عمّان رسالة اهتمام لاستقطاب شريك من القطاع الخاص، لا لإنشاء تلفريك هوائي، بل لتنفيذ قطار جبلي مائل «Funicular»، يسير على سكة أرضية من الساحة الهاشمية إلى البوابة الجنوبية لجبل القلعة.
وقد استُكملت التصاميم ووثائق العطاء والدراسة البيئية، وقُدّرت كلفة المشروع عام 2012 بنحو خمسة ملايين دينار، لكنه تعثر بسبب ضعف جدواه الاقتصادية وارتفاع كلفة تنفيذه.
ولا يعني ذلك أن المشروع الحالي نسخة من المشروع السابق؛ فالاختلاف واضح في التقنية والمسار والحجم. لكنه يمنح الفكرة الجديدة عمقاً مؤسسياً، فالمدن الناضجة لا تبدأ كل مشروع من الصفر، بل تراكم المعرفة، وتراجع أسباب التعثر، قبل أن تعيد تقديم الفكرة أو تختار بديلاً عنها.
بين السكة والسماء
يقوم القطار المائل على ملامسة تضاريس الجبل؛ إذ يصعد على سكة مثبتة في السفح، فيشعر الراكب بتدرج الصعود شيئاً فشيئاً. وهذا النوع من النقل معروف في المدن ذات الانحدارات الحادة، مثل قطارات لوغانو السويسرية، التي اندمجت في النقل اليومي والحياة السياحية معاً.
ويستطيع القطار المائل اختصار المسافات الصعبة على كبار السن وذوي الإعاقة، كما يمكن أن يصبح جزءاً من منظومة الحركة اليومية إذا رُبط بالنقل العام. لكنه يحتاج إلى ممر أرضي متصل وأعمال حفر وجدران استنادية، وقد يستدعي إزالة بعض الأبنية أو إعادة تنظيم الملكيات.
وفي موقع حساس كجبل القلعة، ليست الأرض مجرد تربة قابلة للحفر، بل طبقات من التاريخ والآثار وحقوق السكان.
أما التلفريك، الذي أعلنه رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان في تشرين الأول 2025، وتديره شركة «رؤية عمّان» بدعم من وزارة السياحة، فلا يتبع انحدار الجبل، بل يرتفع فوقه عبر محطات وأبراج وكوابل، ضمن مسارين يربطان القلعة بالمدرج الروماني وجبل اللويبدة، مع استهداف تشغيله خلال خمسة عشر شهراً.
ويمكن مقارنته بتلفريك جبل ساليف قرب جنيف، الذي يقوم أساساً على التجربة البانورامية. وهكذا يتسع المشروع من رابط بين موقعين إلى شبكة تصل ثلاثة أقطاب، بما يعزز قدرته على الجذب السياحي وإطالة جولة الزائر.
لكن العبور فوق المدينة ليس فعلاً محايداً؛ فالأبراج والمقصورات ستدخل المشهد البصري لموقع أثري حساس، وتعبر فوق نسيج عمراني مأهول، لا فوق فراغ خالٍ. وهنا تبرز أسئلة الخصوصية، وحقوق العبور فوق الملكيات، ومتطلبات السلامة والإخلاء.
فالمقصورة التي تمنح السائح إطلالة بانورامية قد تتحول، من زاوية ساكن أحد البيوت الواقعة تحتها، إلى نافذة متحركة تطل على حياته اليومية.
ولا تتطابق أي من التجربتين الأوروبيتين مع واقع وسط عمّان، لكنهما توضحان الفارق الجوهري بين الخيارين: القطار المائل أقرب بطبيعته إلى الاندماج في النقل اليومي، بينما يمتلك التلفريك قدرة أكبر على التحول إلى تجربة سياحية قائمة بذاتها.
فما لا نراه في السماء قد يترك أثراً عميقاً في الأرض، وما يرتفع عن الأرض قد يترك أثراً عميقاً فيما تحته.
الوصول أم السياحة؟
انطلق القطار المائل من سؤال مباشر: كيف نصعد من الساحة الهاشمية إلى جبل القلعة بأقصر وقت؟ أما التلفريك فيجيب عن سؤال أوسع: كيف نربط ثلاثة مواقع، ونحوّل الانتقال بينها إلى تجربة سياحية واستثمارية؟
الأول يجعل الوصول غايته الأساسية، بينما يجعل الثاني الرحلة جزءاً من الغاية. ولا يعني ذلك أفضلية مطلقة لأحدهما؛ فالمشروع السياحي لا يُقاس بعدد التذاكر وحده، بل بقدرته على خدمة المدينة، من دون أن يستهلك تراثها أو يرهق سكانها.
وتكمن قوة الفكرة القديمة في أنها لم تُطرح مشروعاً منفصلاً، بل جاءت ضمن تصور أوسع لإحياء وسط البلد وربط الساحة الهاشمية والمدرج الروماني وجبل القلعة ومجمع رغدان.
فالوسيلة، مهما بلغت حداثتها، لا تصنع وحدها نهضة حضرية. قد ينقل التلفريك الزائر إلى القلعة، لكنه لا يضمن أن يمشي في أسواق وسط البلد أو يمكث فيها. وقد تتحول المحطات إلى جزر سياحية إذا لم تُربط بمسارات مشاة آمنة، ونقل عام منظم، وأسواق محلية تحفظ للمجتمع المحيط نصيبه من العائد.
فالمحطة ليست نهاية الرحلة، بل باب إلى المدينة؛ وإذا لم يكن خلف هذا الباب مسار حضري متكامل، فقد يتحول المشروع إلى جولة في الهواء تنتهي حيث بدأت.
ذاكرة المدينة
إحياء فكرة قديمة بتقنية جديدة ليس عيباً، بل قد يدل على أن الحاجة التي أنشأتها ما تزال قائمة. لكن المشكلة تبدأ حين يُقدَّم كل مشروع كأن المدينة لم تفكر فيه من قبل.
فالذاكرة المؤسسية أداة لحماية المال العام وتحسين القرار، وليست احتفالاً بالأشخاص. وتظل الدراسات السابقة مصدراً مهماً لفهم الموقع والملكيات والمخاطر وأسباب التعثر، حتى إن لم تعد صالحة للتنفيذ حرفياً.
ومن حق الرأي العام معرفة ما إذا كانت دراسات القطار المائل قد روجعت، وما البدائل التي قورنت قبل اختيار التلفريك، وكيف حُددت مواقع المحطات، وما حجم الطلب المتوقع والتعرفة وكلف التشغيل والصيانة وآلية توزيع العائد.
هذه أسئلة لحماية المشروع لا لتعطيله؛ فالمشروعات الكبرى لا تضعف عندما تُناقش، بل حين تُحاط بالغموض.
لقد قُدّرت كلفة القطار المائل عام 2012 بنحو خمسة ملايين دينار، مقابل نحو ثمانية ملايين دينار أعلنتها أمانة عمّان للتلفريك الحالي. لكن الرقمين لا يقيسان مشروعين متماثلين؛ فالأول يستند إلى أسعار تعود إلى أربعة عشر عاماً، ويخص خطاً مباشراً واحداً، بينما يشمل الثاني مسارين يربطان ثلاثة مواقع.
ومن المرجح أن يؤدي تحديث كلفة القطار وفق أسعار البناء الحالية إلى ارتفاعها بصورة ملموسة. كما أن الكلفة الرأسمالية المعلنة للتلفريك لا تكفي وحدها للحكم على جدواه، من دون معرفة كلف التشغيل والصيانة طوال عمره.
لذلك، تتطلب المقارنة العادلة دراسة محدثة تقيس الكلفة الكلية لكل راكب، وحجم الطلب والإيرادات، وأثر كل بديل في السكان والآثار والحركة المرورية والاقتصاد المحلي، بدلاً من الاكتفاء بمقارنة رقمين يفصل بينهما أكثر من عقد.
القطار المائل، بحكم اتصاله بالأرض، مرشح للاندماج بعمق في حركة وسط البلد. أما التلفريك، فيقدم شبكة أوسع تصل ثلاثة أقطاب ضمن منظومة واحدة، بدلاً من رابط بين نقطتين. وهذه ميزة في اتساع الشبكة، لكنها ليست بالضرورة دليلاً على عمق اندماجها بالمدينة.
فإذا كان الهدف إنشاء معلم سياحي بانورامي، فقد يكون التلفريك أكثر انسجاماً معه. أما إذا كان الهدف تنمية وسط البلد وخدمة السكان ضمن شبكة نقل متكاملة، فإن القطار المائل يستحق إعادة الدراسة، لا بوصفه مشروعاً قديماً تجب إحياؤه، بل بديلاً لم تُختبر جدواه المحدثة بعد.
وقد تثبت الدراسة المقارنة أن التلفريك هو الخيار الأجدى، لكن قيمة القرار تبدأ من إعلان الأسس التي رجّحته على البدائل.
فالقرار الأصوب لا ينطلق من الانبهار بالتقنية، ولا من الحنين إلى الفكرة القديمة، بل من دراسة مقارنة معلنة تقيس الكلفة والأثر الأثري والاجتماعي ومدى الاندماج بالاقتصاد المحلي.
فالمدينة التي تنسى مشروعاتها القديمة قد تشتري الفكرة نفسها باسم جديد، أما المدينة التي تتعلم من ذاكرتها، فتمنح الفكرة القديمة حياة أفضل، أو تختار بديلاً عنها على أساس أوضح.
والسؤال الحقيقي ليس: ما أسرع طريق إلى جبل القلعة؟
بل: أيّ الطرق أقدر على أن تعيد القلعة، وأهلها، إلى قلب عمّان؟