سمير حمدان - بودابست : حين تصبح الدولة أصغر من خريطتها
* من يحتل القرار لا يحتاج إلى احتلال الأرض
ربما أمضى العرب نصف قرن وهم يخافون من الخريطة الخطأ، من تقسيم سوريا والعراق والسعودية، ومن «إسرائيل الكبرى» الممتدة من النيل إلى الفرات، لكن الخطر أشد قسوة، قد تبقى الحدود والأعلام والسفارات، بينما تنتقل السيادة إلى من يستطيع فرض إرادته، فالدولة لا تموت عندما يُمحى اسمها من الخريطة، بل عندما يبقى اسمها ويصبح قرارها في مكان آخر .
عام 1982 كتب عوديد يينون عن هشاشة الدول العربية، وفي 2006 اقترح رالف بيترز في «حدود الدم» إعادة رسم أجزاء من المنطقة إثنيًا ومذهبيًا، لم تكن نصوصهما خططًا حكومية، ولا دليل على أن خرائطهما تنتظر التنفيذ، لكن الخطأ اعتبار التقسيم مستحيلًا، فالخرائط الخيالية تصبح أقل خيالًا عندما تنهار المؤسسات وتتحول الهويات المحلية إلى سلطات .
روبرت كابلان أعاد الجغرافيا إلى قلب السياسة، وفالي نصر أظهر قدرة المذهب على عبور الحدود، لكن الأخطر انهيار المؤسسة، فعندما تضعف الدولة تتحول الطائفة إلى جيش، والجوار إلى وصاية، وقد تبقى الدولة عضوًا في الأمم المتحدة بينما تصبح عدة فضاءات أمنية، وهذا هو التقسيم قبل أن يحمل اسمه .
وسوريا هي المختبر الأقسى، السؤال ليس هل ستولد غدًا دولة كردية وأخرى علوية وثالثة درزية، بل هل تستطيع دمشق استعادة احتكار السلاح والحدود والقرار، لأن استمرار مناطق النفوذ قد يحول المؤقت إلى دائم، وحين تضع إسرائيل محظورات جنوبًا، وتبني تركيا حساباتها شمالًا، تصبح وحدة الخريطة أقل أهمية من وحدة السيادة .
وهنا ينبغي قلب مفهوم «إسرائيل الكبرى»، ربما بحث العرب عنها في المكان الخطأ، فإسرائيل لا تحتاج إلى احتلال دمشق أو بلوغ الفرات إذا استطاعت تحديد ما تعتبره مسموحًا خلف حدودها، وأن تضرب وتردع بينما يعجز الآخرون عن فرض سقف مماثل عليها، عندها لا تكبر إسرائيل جغرافيًا، بل يصغر الآخرون استراتيجيًا، وتصبح الهيمنة أرخص من الاحتلال .
لكن اختزال المشهد بإسرائيل يفسد التحليل، فإيران لم تحتج إلى ضم العراق أو لبنان أو اليمن، بل وسعت نفوذها عبر حلفاء وسلاح يتجاوز الدولة، تختلف الأدوات والغايات، لكن القاعدة واحدة، يمكن توسيع النفوذ دون توسيع الحدود .
والخليج ليس خارج هذا المنطق، فقد ظهرت تاريخيًا تصورات وخرائط غير رسمية لإعادة تشكيل الجزيرة العربية وفق خطوط مذهبية وجغرافية، ولا دليل يجعل تقسيم السعودية أو دول الخليج مرجحًا اليوم، لكن استبعاده نهائيًا ليس قراءة استراتيجية، فالخطر يبدأ عندما تتحول الاختلافات الداخلية تحت ضغط الأزمات إلى أبواب يدخل منها الخارج .
والتحدي الخليجي الأقرب ليس رسم حدود جديدة، بل ألا تصبح الحدود أسوارًا تحمي الأرض ولا تحمي القرار، فدول الخليج تجمع بين أمن مرتبط بواشنطن، واقتصاد يتجه نحو آسيا، وجوار إيراني وعلاقات إقليمية متغيرة، وهذه المرونة مصدر قوة، لكنها تصبح ضعفًا إذا استطاع الشريك تحويل الحاجة إليه إلى نفوذ على القرار .
أما السعودية فهي أصلب من أن تُقرأ بمنطق الدول الهشة، وخطرها الأقرب ليس اقتطاع الأرض بل اقتطاع الزمن، فكل أزمة تفرض أولوية أمنية، وكل اعتماد استراتيجي يمنح الخارج ورقة، وكل سنة تضيع من التحول الاقتصادي تؤخر بناء القوة التي تقلل الحاجة إلى الآخرين، لذلك تصبح رؤيتها الاقتصادية مشروع سيادة بقدر ما هي مشروع تنمية .
أما القوى الكبرى، فواشنطن تريد النفوذ بكلفة أقل، وبكين الطاقة والأسواق، وتركيا عمقًا، وإيران أوراق نفوذ، وإسرائيل حرية الحركة، والمفارقة أن لكل قوة تصورًا لموقعها، بينما يملك العرب مخاوف مشتركة أكثر مما يملكون مشروعًا مشتركًا .
والخارج لا يصنع الشقوق كلها بل يستثمرها، لذلك لا يحتاج التفكيك إلى غرفة سرية، يكفي أن يصبح الفراغ أقوى من المؤسسة، والخطر ليس وجود خريطة جاهزة، بل أن نصنع الظروف التي تجعل أي خريطة ممكنة .
القوة الحديثة لا تسأل كم أرضًا تملك، بل كم قرارًا تستطيع التأثير فيه، لذلك قد لا نحتاج إلى سايكس–بيكو جديدة، فالتقسيم، إن حدث، قد يبدأ بانهيار السيادة قبل تغيير الحدود، وعندها لن يكون السؤال من قسّم الشرق الأوسط، بل كيف امتلك الجميع تقريبًا مشروعًا للمنطقة… إلا أصحابها ؟