"تعليمات 2026".. توسيع التمكين لـ"أسر المعونة"
هديل غبّون
عمان– وسعت التعليمات الجديدة "التمكين الاقتصادي والاجتماعي للأسر المنتفعة وأفرادها من المعونات المالية الشهرية لسنة 2026"، الصادرة بموجب قانون صندوق المعونة الوطنية رقم (36) لسنة 1986 وتعديلاته، والمنشورة في عدد الجريدة الرسمية في 20 الشهر الحالي، نطاق الاستهداف للمنتفعين، وفق نهج شمولي أوسع، يراعي احتياجات الأسر المنتفعة، ويفتح مسارات للتدريب وبناء القدرات والتشغيل ودعم المشاريع، لتشمل مختلف أفراد الأسرة وفق شروط وفئات محددة.
وفي قراءة لـ"الغد" لما تضمنته التعليمات الجديدة، يتضح أنها تمثل تحولاً في فلسفة التمكين مقارنة بالتعليمات السابقة، عبر الانتقال من التركيز على فئات محددة من أبناء الأسر المنتفعة، إلى التعامل مع الأسرة المنتفعة كوحدة متكاملة للتمكين الاقتصادي والاجتماعي، وربط الدعم بمسارات عملية تبدأ بالتوعية والإرشاد، مروراً ببناء المهارات والتدريب، وانتهاءً بالإحالة إلى فرص العمل أو دعم المشاريع الإنتاجية.
الأسرة كوحدة للتمكين
وتتمثل إحدى أبرز الإضافات في تعليمات 2026 بتوسيع نطاق الفئات المستهدفة بالتمكين؛ ففي الوقت الذي كان فيه الإطار الناظم السابق يركز بصورة رئيسة على أبناء المنتفعين، جاءت التعليمات الجديدة لتشمل أفراد الأسرة المنتفعة، وفق أوضاعهم وأعمارهم واحتياجاتهم المختلفة.
وشملت التعليمات أفراد الأسر المنتفعة من المتعطلين والباحثين عن العمل، ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و48 عاماً، بالإضافة للأفراد في المرحلة الانتقالية من التعليم الأساسي إلى التعليم الأكاديمي أو المهني ممن تتراوح أعمارهم بين 16 عاماً وأقل من 18 عاماً، وكذلك أرباب الأسر المنتفعة، سواء رب الأسرة أو ربتها، ممن يتولون رعاية أي من أفراد الفئتين السابقتين.
ومن أبرز الإضافات التي جاءت بها تعليمات 2026، فتح إمكانية شمول الأشخاص الذين تجاوزوا سن 48 عاماً ببرامج التمكين، وهي فئة لم تكن ضمن نطاق الاستهداف الأساسي في الإطار السابق بهذه الصورة وضمن شروط محددة.
وأجازت المادة (14/ب) في التعليمات الجديدة، بقرار مسبب من المدير العام أو من يفوضه، شمول من تجاوزوا سن 48 عاماً ببرامج التمكين في حالات محددة، منها توفر خبرات أو مهارات تؤهلهم للاستفادة من البرنامج، أو ملاءمة البرنامج لطبيعة قدراتهم، مثل المشاريع المنزلية أو التدريب الحرفي، أو وجود ظروف اجتماعية وأسرية تستدعي تمكينهم، كأن يكون الشخص المعيل الوحيد للأسرة.
وبذلك، تفتح التعليمات الجديدة المجال أمام شريحة عمرية أكبر، للاستفادة من برامج التمكين، ولكن وفق تقييم للحالة وقرار مسبب، وليس باعتبارها فئة مشمولة تلقائياً بالبرامج.
بناء القدرات والانتقال للعمل
تنفذ برامج التمكين الاقتصادي وفق ثلاثة مسارات رئيسة، تبدأ بالتوعية والإرشاد المهني، ثم بناء المهارات، وصولاً إلى الإحالة للتدريب والتشغيل ودعم المشاريع، ويغطي المسار الأول: التوعية والإرشاد المهني، جميع الفئات المستهدفة، ويشمل برامج التوعية والتوجيه بمسارات التمكين المختلفة، والتعريف بالتشريعات الناظمة لها، إلى جانب تقديم الاستشارات المهنية لتحديد الخيارات المستقبلية، سواء في التعليم المهني أو التدريب أو التأهيل لسوق العمل أو دعم المشاريع.
أما الثاني: البرامج والمهارات الأساسية، فيشمل الباحثين عن عمل والناشئة في المرحلة الانتقالية، ويتضمن برامج التدريب المهني المتخصص وفق احتياجات سوق العمل، إلى جانب برامج مهارات الحياة الأساسية.
ويتمثل الثالث بخدمات الإحالة إلى التدريب والتشغيل ودعم المشاريع، ويركز على الإحالة إلى برامج التدريب المهني المتخصصة لاكتساب مهارات مهنية أو أساسية، والإحالة إلى الجهات الممولة للمشاريع الإنتاجية، إضافة للجهات المختصة بإجراء دراسات الجدوى الاقتصادية لإقامة المشاريع.
ويعكس هذا التسلسل، توجهاً نحو بناء قدرات المنتفع قبل الانتقال إلى مرحلة التشغيل، بحيث لا تقتصر عملية التمكين على توفير دورة تدريبية، وإنما تمتد إلى تحديد المسار المناسب، وبناء المهارات، ثم ربط المستفيد بالفرصة المناسبة.
دعم التدريب وبدل المواصلات
ويتضمن الإطار التنفيذي، التزام الصندوق بتغطية الرسوم المترتبة على البرامج التدريبية المعتمدة في حدود موازناته السنوية، بالتزامن مع تخصيص بدل مواصلات شهري لكل ملتحق بالتدريب طوال مدة البرنامج.
ويهدف بدل المواصلات لمعالجة أحد العوائق التي قد تحول دون التحاق المنتفعين ببرامج التدريب، ولا سيما في الحالات التي تتطلب الانتقال خارج منطقة إقامة المستفيد، أو التي ترتبط بظروف خاصة لبعض الفئات.
كما تراعي التعليمات، ظروف بعض المستفيدين، ومن بينهم الأشخاص ذوو الإعاقة، والنساء الملتحقات بالبرامج ممن لديهن أطفال في سن الحضانة، إضافة إلى من يضطرون إلى الانتقال من محافظة أو لواء إلى آخر للالتحاق بالبرنامج التدريبي.
الانتقال للعمل
وفي سياق تشجيع الأسر على الانتقال من الاعتماد على المعونة، إلى مصادر دخل أكثر استدامة، أقرت التعليمات فترات سماح لاحتساب الدخل المتحقق من العمل لأغراض استحقاق المعونة المالية الشهرية.
وتختلف مدة فترة السماح بحسب طبيعة العمل؛ إذ تبلغ سنة واحدة عند الالتحاق بالعمل في القطاع الخاص، وستة أشهر في حال المشاريع المؤقتة في القطاع العام، بينما تصل إلى سنتين كاملتين بالنسبة للمشاريع متناهية الصغر والمنزلية التي لا تتجاوز كلفتها سبعة آلاف دينار، مع إمكانية تمديد الأخيرة لمدة إضافية لا تتجاوز سنة واحدة بقرار من رئيس المجلس إذا ثبت استمرار النشاط وتحقيق الدخل.
وتأتي هذه الأحكام في إطار توفير فترة انتقالية للأسرة التي يبدأ أحد أفرادها بالعمل أو بإقامة مشروع، بما يمنحها فرصة للاستقرار في مصدر الدخل الجديد قبل إعادة احتساب دخلها وفق قواعد الاستحقاق.
في المقابل، تميز التعليمات بين فرص العمل المؤقتة وبين الوظائف المستقرة، إذ ترتبط فترة السماح بطبيعة العمل والدخل الناتج عنه، مع استثناء الوظائف الدائمة أو بعقود في القطاع العام، أو من تتجاوز اشتراكاتهم في الضمان الاجتماعي اثني عشر اشتراكاً.
ويعكس هذا التوجه محاولة لتحقيق توازن بين تمكين الأسر المنتفعة من الاستقرار في سوق العمل وضمان وصول موارد الصندوق إلى الأسر التي ما تزال بحاجة للدعم، بحيث لا تتحول فترة السماح إلى استمرار غير مبرر للمعونة في الحالات التي أصبح فيها دخل الأسرة أكثر استقراراً.
ضمانات الاستمرارية
وتوازن التعليمات بين الحقوق الممنوحة للمستفيدين والالتزامات المترتبة عليهم؛ بحيث نصت على استرداد تكاليف التدريب وبدل المواصلات في حال انسحاب الفرد من التدريب دون عذر تقبله الجهات المختصة، وذلك إما نقداً أو باقتطاع لا يتجاوز 15 % من المعونة الشهرية.
في المقابل، تتيح التعليمات تخفيض قيمة المعونة الشهرية للأسرة بالنسبة ذاتها، إذا رفض الفرد عرض تدريب أو عمل مناسباً لمرتين منفصلتين، بعد تقديم جلسات إرشاد مهني كافية. كما نصت صراحة على إلغاء هذا التخفيض وإعادة المعونة إلى سابق عهدها، فور التزام الفرد بالالتحاق الفعلي بأي من برامج التمكين لاحقاً.
وأكدت المادة (14) أن إيقاف المعونة الشهرية عن الأسرة، لا يؤدي تلقائياً لإنهاء مشاركة الفرد في البرامج التدريبية أو قطع بدل المواصلات عنه، بما يوفر ضمانة لاستمرار مسار التأهيل وعدم تعطله بسبب تغير وضع الأسرة في منظومة المعونة.
وتكشف هذه الأحكام مجتمعة عن توجه جديد في التعامل مع الأسر المنتفعة، يقوم على توسيع نطاق التمكين من حيث الفئات والمسارات، وعدم حصره في فئة عمرية واحدة أو في أبناء الأسر فقط.
فإلى جانب الفئات من 16 إلى أقل من 18 عاماً و18 إلى 48 عاماً، جاءت تعليمات 2026 بإضافة إمكانية شمول من تجاوزوا 48 عاماً، وفق شروط وقرار مسبب، بما يتيح الاستفادة من خبراتهم ومهاراتهم وقدراتهم الإنتاجية، أو الاستجابة لظروفهم الأسرية والاجتماعية.
وبذلك، تنتقل التعليمات من مفهوم يركز على تقديم المعونة إلى نهج أوسع يقوم على الحماية الاجتماعية المقترنة بالتمكين، من خلال التوعية وبناء القدرات والتدريب والتشغيل ودعم المشاريع، مع توفير حوافز مالية وفترات انتقالية تساعد الأسرة على الانتقال التدريجي نحو الاستقلال الاقتصادي.
ــ الغد