اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

اسماعيل الشريف : استراتيجية نووية جديدة.. الانتحار أمريكي

اسماعيل الشريف : استراتيجية نووية جديدة.. الانتحار أمريكي
أخبارنا :  

إذا كنت تريد السلام، فاستعد للحرب النووية - إلبريدج كولبي، مفكر عسكري أمريكي.

تتزايد التقارير الإعلامية التي تشير إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تعمل حاليًا على بلورة استراتيجية نووية جديدة، تمنح بموجبها الرئيس الأمريكي صلاحية اللجوء إلى الأسلحة النووية التكتيكية في النزاعات، بدلًا من الاعتماد حصريًا على الترسانة النووية الاستراتيجية التي قد تُفضي إلى دمار واسع النطاق لا يمكن تصوره.

وتتوارى هذه التوجهات الهجومية الجديدة خلف مفاهيم مثل «الردع» و»منع نشوب الحرب»، إذ يُروَّج لها باعتبارها آلية تَحُول دون اتخاذ القادة قرارات متهوِّرة تتعلق باستخدام السلاح النووي التقليدي. غير أن الحقيقة لا تتغير: فالقتل يبقى قتلاً، ولا يغيّر اختلاف نوع السلاح المستخدم من جوهر الكارثة الإنسانية المترتبة عليه.

كما تلمّح تقارير أخرى إلى أن الدافع وراء صياغة هذه الاستراتيجية يكمن في تزويد الرئيس ترامب بخيار إضافي في التعامل مع إيران، وذلك في ظل إخفاق الأدوات العسكرية التقليدية في تحقيق النتائج المنشودة.

وتذهب بعض التوجهات داخل الإدارة الأمريكية إلى ضرورة توجيه ضربة نووية إلى إيران، بهدفين رئيسيين: إنهاء الحرب واستعادة قوة الردع من جهة، وتوجيه ضربة استباقية تحُول دون امتلاك إيران للسلاح النووي واستخدامه مستقبلًا في حال تمكنت من إنتاجه من جهة أخرى. ويستند أصحاب هذا التوجه إلى سوابق تاريخية مشابهة، من بينها الضربة التي استهدفت المفاعل النووي العراقي عام 1981، وتلك التي طالت المنشأة النووية السورية عام 2007.

وقد يبدو هذا السيناريو، من الناحية النظرية، قابلاً للتحقق؛ إذ يمكن لضربة نووية أمريكية واسعة، أو حتى استخدام أسلحة نووية تكتيكية، أن تفضي إلى إنهاء الحرب ودفع إيران نحو الاستسلام. غير أن الحسابات الاستراتيجية لا يمكن اختزالها في نتيجة المواجهة العسكرية المباشرة وحدها؛ إذ قد تحقق الولايات المتحدة نصرًا عسكريًّا سريعًا خلال دقائق معدودة، بينما تتكبد خسائر أعمق على المستوى الاستراتيجي الأشمل، بحيث تتساوى كلفة هذا الانتصار، أو ربما تفوقها، مع خسائر إيران ذاتها من نواحٍ متعددة.

ولعل أبرز هذه التبعات أن لجوء الولايات المتحدة إلى استخدام السلاح النووي ضد دولة لا تمتلكه من شأنه أن يرسّخ قناعة مفادها أن امتلاك هذا السلاح هو السبيل الوحيد لضمان الحماية والبقاء، وهو ما قد يدفع عددًا من الدول إلى السعي الجاد لامتلاكه. وقد يفضي ذلك إلى تصدع خطير في منظومة عدم الانتشار النووي برمّتها، بما فيها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية والمؤسسات الدولية القائمة على إنفاذها.

كما أن مثل هذه الضربة - لا قدّر الله - قد تُفجّر أزمة خطيرة في منطقة الخليج العربي؛ حيث يُحتمل أن يتوقف تصدير النفط، وآثار بيئية مدمرة، فضلًا عن احتمال انهيار المنظومة المالية واللوجستية المرتبطة بقطاع الشحن البحري، وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية من شأنها أن تهدد الاقتصاد العالمي بأكمله.

ولا ريب في أن لجوء الولايات المتحدة إلى استخدام السلاح النووي قد يمهّد الطريق أمام دول أخرى لاتباع النهج ذاته، وفي مقدمتها روسيا التي تخوض حربًا طويلة الأمد في أوكرانيا، والتي قد ترى في السلاح النووي وسيلة لحسم المعركة بشكل سريع وحاسم، إن هي قررت بدورها تجاوز هذا الخط الفاصل واستخدامه.

وعليه، فإنني أرى أن احتمال لجوء الولايات المتحدة إلى استخدام السلاح النووي ضد إيران يبقى ضعيفًا؛ إذ من شأن ذلك أن يمثل شكلاً من أشكال الانتحار الاستراتيجي، قد يقوّض المنظومة الاقتصادية والسياسية التي أرستها الولايات المتحدة وحافظت عليها على مدى ثمانية عقود. غير أن السؤال الأهم الذي يظل مطروحًا هو: من يملك القدرة على التنبؤ بقرارات الرئيس ترامب؟.

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك