د. عبد الفتاح الحايك : الأردن بين صلابة الدولة واستحقاقات المستقبل
في إقليم تتسارع فيه التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية، ويشهد العالم من حولنا إعادة تشكيل متواصلة لموازين القوى والتحالفات، يواصل الأردن مسيرته بثبات، مستنداً إلى منظومة وطنية متماسكة وقيادة هاشمية أدركت مبكراً أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأزمات، وإنما بقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، وصناعة مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً.
لقد أثبت الأردن خلال السنوات الماضية أن الاستقرار السياسي والأمني ليس حالة عابرة، بل هو رصيد وطني تراكم بفعل وعي الدولة والمجتمع، وبفضل مؤسسات وطنية حافظت على تماسكها في أصعب الظروف، وفي مقدمة هذه المنظومة يأتي الدور المحوري لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي حافظ على ثوابت الدولة الأردنية، وفي الوقت ذاته دفع باتجاه التحديث السياسي والاقتصادي والإداري باعتباره ضرورة وطنية لمواكبة متطلبات المرحلة.
واليوم، لم يعد التحديث خياراً مؤجلاً، بل أصبح استحقاقاً وطنياً يحتاج إلى ترجمة حقيقية على أرض الواقع، فالتحديث السياسي لا يكتمل بمجرد تطوير التشريعات، وإنما بوجود حياة حزبية فاعلة، ومشاركة شبابية حقيقية، ومؤسسات مجتمع مدني قادرة على أداء دورها، وحوار وطني يقوم على المسؤولية والاحترام وتغليب المصلحة العامة.
وفي الجانب الاقتصادي، فإن التحدي الأكبر يتمثل في الانتقال من معالجة المشكلات إلى بناء اقتصاد منتج قادر على خلق فرص العمل، وجذب الاستثمار، ودعم ريادة الأعمال، والاستفادة من الطاقات البشرية الأردنية، وهنا تبرز أهمية التنمية في المحافظات، بحيث يشعر المواطن أن ثمار التحديث تصل إلى منطقته وفرصته ومستقبله، لا أن تبقى التنمية محصورة في مراكز المدن.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وهذه الثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالإنجاز والشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص، وبإدارة عامة أكثر كفاءة واستجابة لاحتياجات الناس.
إن الأردن اليوم يقف أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف علاقته بالمستقبل، فالتحديات كبيرة، لكن قدرات الدولة والمجتمع أكبر، وما يحتاجه الأردن هو الاستمرار في البناء على ما تحقق، وتعزيز الشراكة الوطنية، وإطلاق طاقات الشباب، وتحويل المحافظات إلى مراكز إنتاج وتنمية.
إن قوة الأردن الحقيقية تكمن في قدرته على الجمع بين ثبات الدولة ومرونة التطوير، وبين الحفاظ على الثوابت والانفتاح على المستقبل، ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس على تجاوز المرحلة الراهنة فحسب، بل على بناء أردن أكثر إنتاجاً ومشاركة وعدالة، يواصل مسيرته بثقة، ويحافظ على مكانته ودوره في محيطه العربي والإقليمي والدولي.