من ذاكرة المسجد الحسيني.. الشيخ اللالا كبير مقرئي المولد النبوي
عمان/ محمود كريشان
نحتفل بذكرى مولد سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ونستذكر بهذه الذكرى العطرة المرحوم الشيخ كامل اللالا، كبير المقرئين في المسجد الحسيني الكبير ومسجد الملك المؤسس الذي اعتاد العمانيون سماع تلاوته وابتهالاته منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي عبر أثير الإذاعة الأردنية وإذاعة القرآن الكريم.
فقدان البصر
القارئ الشيخ كامل اللالا الذي كان قد عُين في وزارة الأوقاف، مقرئاً في المسجد الحسيني بوسط العاصمة عمان، وتفرغ لحفظ القرآن الكريم وتلاوته منذ الصغر، على يد الشيخ حسين بطاح والشيخ مصطفى مرعي «رحمهما الله» وغيرهما من القُرّاء، وإشتهر بتلاوته القرآنية وموشحاته الدينية قبيل أذاني الفجر والمغرب، خلال شهر رمضان المبارك، مبتدئا موشحاته بـ»أفلح من قال لا إله إلا الله»، والتي كانت جزءاً من وجدان الأردنيين، ومعلماً من معالم الشهر الفضيل، ويعطر فضاء عمان الرحب، بصوته العذب الرنان، ويتلو ما تيسر من قصائد مديح الرسول الهاشمي «سيدنا محمد» صلى الله عليه وسلم، عبر سماعات المسجد الكبير..
الشيخ اللالا الذي إبتلاهُ الله تعالى منذ ولادته بفقد البصر، وعوّضه المولى القدير بقوة الذاكرة، فكان مُلتزماً مع مشايخه ومعلميه في المسجد الحُسيني، في حلقات تحفيظ القرآن الكريم، وقد حفظَ القرآن الكريم غيباً وهو إبن إثنتي عشرة سنة، كان يُراجع كل يوم خمسة أجزاء من القرآن الكريم، وزاد صوته جمالاً لحُسن إستماعه للقُرّاء، وأصحاب المدائح من حوله، فنقل عنه في بداية حياته تأثره بطريقة الشيخ عبد الباسط «رحمه الله»، إلى أن إتخذ لنفسه طريقة خاصة في التلاوة والتجويد.
من اللد الى عمان
ومن المؤكد هنا ان اللالا من مواليد عام 1941م في مدينة اللد في فلسطين المحتلة وقدم الى الأردن عام 1948 مع والديه واستقر في عمان وسكن في البداية بمنطقة سقف السيل وسط البلد، ثم ليستقر بهم المقام بمخيم الحسين للاجئين الفلسطينيين عام 1955 ثم إستقر في منطقة جبل القصور ليكون الشيخ القارىء في المسجد العمري الذي سمي بالمسجد الحسيني فيما بعد، وفي رحلة اللجوء والشتات الفلسطيني جراء الإحتلال الإسرائيلي الغاشم، أصيب الشيخ بمرض في عينيه أدى إلى ضعف شديد في النظر، مما جعله يحتاج إلى رفيق في المسير لكنه ببصيرة قلبه، تمكن من التعايش مع القدر، ومضى مؤمنا ليتفرغ الشيخ للقرآن الكريم منذ صغره فأتقن الحفظ بأحكام التجويد ورزق صوتا جميلا يطرب السامعين وتخشع له القلوب.
حمامة المسجد الحسيني
كان الشيخ اللالا يواظب منذ عشرات السنين على إرتياد المسجد الحسيني، رغم انه من سكان حي بعيد عن المسجد الحسيني «جبل القصور»، فلهذا المسجد الكريم عشق قديم في نفسه، حيث يقضي فيه أكثر أوقاته للعبادة ولقراءة القرآن بترتيله المميز، ليستمع إليه كل من يكون في المسجد، ولجميع المارة من جانب المسجد، ولجيران المسجد من محلات كثيرة، وفي مرات عديدة يرفع الأذان ويؤم المصلين في الصلوات أيضاً، وتمكّن الشيخ الجليل من تحقيق أمنيته بتسجيل القرآن الكريم كاملا بصوته على أثير إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية من عمان، ويقدم لمن زاره في بيته نسخة على قرص مغناطيسي (سي دي) للمصحف الشريف بصوته العذب القادم من السماء.
تأثر بالشيخ عبدالباسط
عموما..كان الشيخ اللالا فتى صغيراً وقد تشنفت أذناه بسماع أصوات مقرئي القرآن الشهيرين في عالمنا العربي، وكان ذلك في الخمسينيات، مثل سماع ترتيل وتجويد الشيخ المقرىء عبدالباسط عبد الصمد، والشيخ مصطفى اسماعيل، والمنشاوي من مصر، ذلك عبر جهاز الراديو آنذاك، لذا فقد أخذ بمحاولة تقليد أصواتهم الجميلة بقراءة القرآن الكريم، ومن النشاطات الدينية التي عرف بها الشيخ اللالا إتقانه لفن إنشاد التواشيح الدينية والموالد في المناسبات والإحتفالات الدينية والإجتماعية والرسمية في مدينة عمان، كما زار الشيخ مدينة نابلس عام 1962 مع مشايخه في ذلك الحين لتلاوة القرآن في رمضان، وسافر ممثلا عن الأردن الى العاصمة البريطانية «لندن» عام 1990 بدعوة من الجاليات الإسلامية ليمتع المسلمين هناك بقراءة القرآن الكريم بصوته الشجي..
كبير مقرئي المولد
وهنا.. ان سيرة المولد النبوي التي كان يتلوها كبير مقرئي المولد النبوي المرحوم الشيخ كامل اللالا بصوت رخيم ومن حوله بطانة خاصة تُجيد إنشاد القصائد الدينية، وكانت التقاليد المتبعة في قراءة قصة المولد ويبدأ اللالا بقراءة ايات من القران الكريم ومن ثم انشاد قصيدة دينية، ومن المعروف ان قصائد المولد عبارة عن اشعار بسيطة موضوعة لا تتعلق بالفولكلور حيث انها مجرد اقوال دارجة تُقرأ بطريقة عامية، ومن بعض ابيات هذه القصائد: على بيت الله على نوره ياما حن القلب اليه ورسول الله راح ازوره يا حبايب صلوا عليه حُبك يا نبي في فؤادي واملي ونور عيني وزادي وفي سبيلك سبت بلادي يا حبايب صلوا عليه والكعبة اللي قصدناها وسبنا بلادنا لرؤياها ورسول الله حياها يا حبايب صلوا عليه.. سار ليلا الى العلى..
وفاة الشيخ اللالا
وعند وفاة الشيخ كامل في العاشر من تشرين الثاني عام 2020 تم نعي شيخنا الراحل «اللالا» من قِبل رئيس الديوان الملكي الهاشمي معالي الأستاذ يوسف العيسوي، بصفته مندوبا عن جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، كما نعاه وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية معالي د. محمد الخلايلة، كما نعته العديد من وسائل الإعلام الأردنية والعربية.. رحمه الله
ــ الدستور