اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

نضال فايز البيك : حين تضطر واشنطن إلى الحوار مع حماس .. من (التنظيم الإرهابي) إلى شريك التفاوض

نضال فايز البيك : حين تضطر واشنطن إلى الحوار مع حماس .. من (التنظيم الإرهابي) إلى شريك التفاوض
أخبارنا :  

كيف تصنع الوقائع السياسية شرعيةً تتجاوز التصنيفات؟


بقلم: نضال فايز البيك


في السياسة، لا تكفي البيانات الرسمية لصناعة الحقيقة، ولا تستطيع التصنيفات وحدها أن تلغي القوى الموجودة على الأرض. وحين تضطر دولة عظمى مثل الولايات المتحدة إلى الجلوس مع حركة كانت تصنفها لسنوات بأنها (تنظيم إرهابي)، فإن السؤال الأهم لا يصبح:

لماذا تحدثت واشنطن مع حماس؟ بل:

ما الذي تغيّر في ميزان الواقع حتى أصبح الحوار معها ضرورة سياسية؟

من هنا تأتي أهمية المقال الذي كتبه الأستاذ حمادة فراعنة في جريدة (الدستور) تحت عنوان:

(حوار واشنطن مع حركة حماس)؛ فهو لا يتعامل مع اللقاء باعتباره خبراً عابراً، ولا يقرأه من زاوية الانفعال السياسي، بل يضعه داخل سياق أوسع عنوانه: الواقعية السياسية التي تفرض نفسها عندما تفشل القوة في تغيير الحقائق.

وهذه، في تقديري، واحدة من أهم سمات تجربة الاستاذ حمادة فراعنة الكتابية: أنه لا يكتفي بمتابعة الحدث، وإنما يحاول البحث عما وراء الحدث، وعن القوى التي دفعته إلى الظهور، وعن المسار الذي يمكن أن يقود إليه.

عندما يصبح الحوار اعترافاً بالواقع

الولايات المتحدة ليست دولة تجهل طبيعة التنظيمات التي تتعامل معها، ولا هي مضطرة إلى الحوار مع طرف لا ترى له وزناً. لذلك فإن مجرد انتقال العلاقة من القطيعة إلى التواصل، حتى لو كان عبر وسطاء وفي ظروف استثنائية، يحمل دلالة سياسية تتجاوز تفاصيل اللقاء نفسه.

فواشنطن قد تختلف مع حماس، وقد تضعها على قوائمها وتصوغ مواقف سياسية قاسية تجاهها، لكنها في النهاية تصطدم بسؤال بسيط: هل يمكن صناعة مستقبل غزة من دون التعامل مع القوة الأكثر حضوراً وتأثيراً فيها؟

هنا تحديداً تكمن (قيمة قراءة فراعنة).

فهو لا يقول إن الحوار يعني اتفاقاً، ولا إن التواصل يعني قبولاً كاملاً بحماس، وإنما يلفت النظر إلى أن السياسة الدولية لا تتعامل دائماً مع ما ترغب به، بل كثيراً ما تضطر إلى التعامل مع ما هو قائم.

والفرق بين الاثنين كبير.

7 أكتوبر غيّر قواعد اللعبة… لكن الحرب لم تُنهِ حماس

بغض النظر عن الموقف السياسي والأخلاقي من أحداث السابع من أكتوبر 2023، فإن نتيجتها السياسية الكبرى كانت أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، ووضعت قطاع غزة في قلب الحسابات الإقليمية والدولية.

ثم جاءت الحرب الطويلة، وما رافقها من دمار هائل وكارثة إنسانية، لتكشف في الوقت ذاته أن القوة العسكرية الإسرائيلية، على الرغم من حجمها الهائل، لم تستطع ببساطة إنهاء ظاهرة حماس سياسياً وتنظيمياً.

وهنا تظهر إحدى أهم أفكار فراعنة: القوة قد تدمر البنية المادية، لكنها لا تستطيع بالضرورة إلغاء التنظيم السياسي إذا بقيت له قاعدة اجتماعية، وقدرة على إعادة إنتاج نفسه، وحضور في المعادلة.

وهذا لا يعني أن حماس خرجت من الحرب منتصرة بالمعنى التقليدي؛ فالخسائر الفلسطينية هائلة، وغزة دفعت ثمناً كارثياً، وحماس نفسها تعرضت لضربات كبيرة.

لكن المسألة التي تهم السياسيين ليست فقط حجم الخسائر، بل سؤال آخر:

هل انتهت حماس كفاعل سياسي؟

إذا كانت الإجابة لا، فإنها ستبقى جزءاً من أي معادلة تبحث في مستقبل غزة.

منطق (الشرعية الواقعية)

من أكثر النقاط إثارة في قراءة فراعنة حديثه عن مفهوم يمكن تسميته (الشرعية الواقعية).

هناك شرعية قانونية، وشرعية انتخابية، وشرعية دولية، وشرعية دستورية، لكن هناك أيضاً شرعية تنشأ من قدرة طرف ما على الحضور والاستمرار والتأثير.

حماس موجودة في غزة منذ عام 2007، وسبق أن فازت في الانتخابات التشريعية عام 2006، ثم أصبحت القوة المهيمنة على القطاع. وعلى الرغم من جميع محاولات المصالحة والحوار، بقي الانقسام الفلسطيني قائماً.

وهذا الواقع لا يمكن للسياسة الدولية أن تتجاهله إلى الأبد.

فالدبلوماسية في النهاية لا تفاوض الفراغ.

التحول من السلاح إلى السياسة… إذا حدث

النقطة الأكثر حساسية في المقال هي ما يتعلق بإمكانية انتقال حماس من تنظيم مسلح إلى حزب سياسي.

وهنا يجب التفريق بين التوقع والتحقق.

فإذا اتجهت حماس فعلاً نحو تسليم السلاح والتحول إلى العمل السياسي، فإن ذلك سيكون تحولاً تاريخياً لا في بنية الحركة وحدها، بل في شكل الصراع الفلسطيني نفسه.

لكن هذا التحول، إن حدث، لن يكون سهلاً.

فالسلاح بالنسبة لحماس ليس مجرد أداة عسكرية، بل جزء من هويتها السياسية والفكرية منذ نشأتها. وبالتالي فإن التخلي عنه يحتاج إلى تسوية شاملة تضمن للحركة دوراً سياسياً واضحاً، وتضمن في المقابل للفلسطينيين مساراً سياسياً قابلاً للحياة، وتضع قضية غزة والضفة والقدس ضمن إطار وطني لا يعيد إنتاج الانقسام.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل ستسلم حماس سلاحها؟

بل:

ماذا ستحصل في المقابل؟ ومن سيضمن الاتفاق؟ وما شكل السلطة التي ستنشأ؟ وهل سيكون التحول في غزة منفصلاً عن المشروع الوطني الفلسطيني أم جزءاً منه؟

وهنا تصبح السياسة أكثر تعقيداً من مجرد صفقة أمنية.


(فراعنة يقرأ ما وراء الخبر)


ما يميز حمادة فراعنة أنه لا ينظر إلى السياسة باعتبارها مجموعة أخبار منفصلة، وإنما باعتبارها سلسلة مترابطة.

فالحديث عن حوار واشنطن مع حماس يرتبط، في قراءته، بمستقبل غزة، وبفشل الحرب في إنتاج حل نهائي، وبالانقسام الفلسطيني، وبالدور الأميركي، وبحسابات إسرائيل، وبالخلاف داخل المعسكر الإسرائيلي نفسه.

وهذا النوع من القراءة هو ما يجعل المقال السياسي مهماً.

فالكاتب الجيد لا يكرر ما يعرفه الجميع، بل يضع أمام القارئ السؤال الذي لم يفكر فيه بعد.

وفراعنة يفعل ذلك بوضوح عندما يدفعنا إلى التفكير في حقيقة بسيطة لكنها شديدة الأهمية:

إذا كانت الولايات المتحدة قد حاورت في مراحل مختلفة أطرافاً كانت في حالة عداء معها، فإن تصنيف الخصم لا يعني استحالة التفاوض معه عندما تتغير موازين المصالح والوقائع.

التاريخ الدولي مليء بهذه التحولات.

أعداء الأمس يصبحون شركاء في التفاوض، والتنظيمات التي كانت مرفوضة تتحول إلى أطراف في التسويات، ليس لأن العالم أصبح مقتنعاً فجأة بأفكارها، بل لأن السياسة تقوم في كثير من الأحيان على إدارة الواقع لا على إنكاره.

الخطر الأكبر: تحويل غزة إلى (دولة منفصلة)

وهنا أصل إلى نقطة أرى أنها تستحق التوقف عندها أكثر من غيرها.

إذا انتهى المسار السياسي إلى تثبيت كيان فلسطيني في غزة فقط، مع تأجيل الضفة والقدس إلى أجل غير معلوم، فإننا نكون أمام تحول بالغ الخطورة في القضية الفلسطينية.

فمن الممكن أن تكون هناك تسوية مؤقتة في غزة، ومن الممكن أن يكون القطاع هو بوابة الحل، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول «المرحلية» إلى (نهائية).

فالدولة الفلسطينية لا يمكن اختزالها في غزة وحدها إذا كان الهدف هو حل سياسي عادل ومستدام.

ولهذا فإن صعود حماس سياسياً، إذا حدث، لا ينبغي أن يكون على حساب وحدة المشروع الوطني الفلسطيني، كما أن استعادة السلطة الفلسطينية لدورها لا ينبغي أن تقوم على إقصاء حماس بالقوة أو تجاهل وزنها الشعبي والسياسي.

المطلوب في النهاية ليس انتصار فصيل فلسطيني على فصيل آخر.

المطلوب أن تنتصر فلسطين على الانقسام.

ترامب بين صفقة سياسية ومأزق إسرائيلي

أما الإدارة الأميركية، فإنها تبدو أمام معادلة شديدة التعقيد.

فمن جهة، تريد واشنطن أن تظهر أنها قادرة على إنتاج حلول سياسية، ومن جهة أخرى تجد نفسها أمام حكومة إسرائيلية تضم تيارات يمينية ودينية متشددة ترفض تقديم تنازلات جوهرية للفلسطينيين.

وهنا تصبح المفارقة واضحة:

قد ترغب واشنطن في إنهاء الحرب، لكنها لا تستطيع تجاهل إسرائيل.

وقد ترغب في إنتاج تسوية، لكنها تصطدم باليمين الإسرائيلي.

وقد ترغب في فتح مسار سياسي، لكنها تجد أن الطريق إلى ذلك يمر عبر أطراف كانت واشنطن نفسها ترفض التعامل معها.

ومن هنا يصبح الحوار مع حماس، إذا تأكد واستمر، مؤشراً إلى أن الواقع بدأ يفرض نفسه على السياسة الأميركية.

هل حماس في طريقها إلى أن تصبح سلطة سياسية؟

هذا السؤال الذي يطرحه فراعنة يستحق قراءة هادئة بعيداً عن التأييد المطلق أو الرفض المطلق.

حماس ليست حركة تعمل من أجل المقاومة فقط؛ هي أيضاً حركة سياسية لها مشروع في الحكم، وتجربة طويلة في إدارة قطاع غزة، وقاعدة تنظيمية واجتماعية، وتجربة انتخابية سابقة.

وإذا دخلت الحركة مرحلة جديدة تقوم على العمل السياسي والحزبي، فإنها قد تنتقل من سؤال (هل تستطيع حماس البقاء؟) إلى سؤال أكثر أهمية:

ما موقع حماس في النظام السياسي الفلسطيني الجديد؟

وهنا سيكون التحدي أمام الفلسطينيين جميعاً هو بناء نظام سياسي يستوعب القوى المختلفة، لا نظاماً يقوم على إلغاء أحدها.


لماذا يستحق حمادة فراعنة الثناء؟ولماذا تستحق مقالاته الاهتمام؟

الثناء على الأستاذ حمادة فراعنة والاهتمام بما يكتب ، ليس لأنه يقدم بالضرورة إجابات نهائية، وإنما لأنه( يطرح الأسئلة الصحيحة في اللحظة الصحيحة).

وفي السياسة، قد يكون السؤال الصحيح أهم من الإجابة الجاهزة.

فهو لا يقرأ الأحداث بعين عاطفية، ولا يتوقف عند البيانات الرسمية، ولا يفترض أن المواقف الأميركية والإسرائيلية ثابتة إلى الأبد. بل يتعامل مع السياسة باعتبارها حركة مستمرة تتغير فيها المواقف عندما تتغير المصالح وموازين القوى.

وهذه ميزة مهمة في الكتابة السياسية الأردنية والعربية.

ففراعنة ينتمي إلى مدرسة ترى أن فهم القضية الفلسطينية لا يكون فقط عبر الشعارات، وإنما عبر فهم موازين القوى، ومصالح الأطراف، وتحولات المواقف، والوقائع التي تصنعها الأحداث على الأرض.

الخلاصة: السياسة تبدأ عندما تنتهي الأوهام

ربما تكون أهم رسالة يمكن استخلاصها من مقال حمادة فراعنة أن المنطقة تدخل مرحلة لا تكفي فيها الرغبات لصناعة المستقبل.

إسرائيل لا تستطيع وحدها تحديد مستقبل غزة.

والولايات المتحدة لا تستطيع تجاهل القوى الموجودة على الأرض.

والسلطة الفلسطينية لا تستطيع استعادة غزة بالشعارات وحدها.

وحماس لا تستطيع أن تفترض أن الصمود العسكري وحده يكفي لبناء مشروع سياسي دائم.

أما الفلسطينيون، فإن التحدي الأكبر أمامهم هو أن يحولوا كل هذه التحولات إلى فرصة لإعادة بناء مشروع وطني موحد، لا إلى مرحلة جديدة من الانقسام.

إن الحوار الأميركي مع حماس ـ إذا ثبت واستمر وتطور ـ لا يعني أن واشنطن أصبحت «حمساوية»، ولا يعني أن حماس أصبحت فجأة مقبولة أميركياً.

إنه يعني شيئاً أكثر واقعية:

أن السياسة حين تصطدم بالحقائق، تضطر في النهاية إلى التفاوض معها.

وهنا تحديداً تكمن قيمة قراءة حمادة فراعنة؛ فهو لا يكتفي بأن يقول لنا إن واشنطن تحدثت مع حماس، بل يدفعنا إلى التفكير في السؤال الأكبر:

هل نحن أمام مجرد اتصال سياسي عابر، أم أمام بداية إعادة تشكيل كاملة لمعادلة غزة، وحماس، والسلطة الفلسطينية، وإسرائيل، والموقف الأميركي من القضية الفلسطينية؟

إذا كان الثاني هو الاحتمال، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد حوار بين واشنطن وحماس.

إنه ربما يكون بداية انتقال من مرحلة محاولة إلغاء حماس إلى مرحلة محاولة إعادة تعريف موقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني القادم.

وهذه، قبل غيرها، هي الزاوية التي (تجعل مقال حمادة فراعنة جديراً بالقراءة والتأمل والنقاش).


مواضيع قد تهمك