اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. حازم قشوع : من حروب الانتخابات إلى سلام الشراكات

د. حازم قشوع : من حروب الانتخابات إلى سلام الشراكات
أخبارنا :  

د. حازم قشوع


في المحصلة، تبدو الانتخابات الإسرائيلية والأميركية وكأنها تتحرك باتجاه إنتاج مشهد سياسي جديد، عنوانه الأبرز تراجع نفوذ تيار الحرب وصعود تيار يبحث عن مخرج سياسي ومنهج للسلام، بعدما استُهلكت أدوات «السلام بالقوة»، واستُنزف جزء كبير من رصيد الحرب التقليدية التي استهدفت إبقاء عجلة التسليح مفتوحة، وضخ مزيد من الأسلحة من مخازن الشركات الأميركية.


وهذا ما يمكن إسقاطه على العملية الانتخابية الجارية في كل من "العقل الأميركي واليد الإسرائيلية" فالعقل الأميركي يعيد حساباته تحت ضغط السياسة والاقتصاد والانتخابات، فيما ما زالت اليد الإسرائيلية تبحث عن التصعيد كوسيلة للنجاة من استحقاق سياسي بات يقترب. فتارةً تصعّد في سوريا، وتارةً تحاول العبث بأرضية الحل في قطاع غزة، وتارةً تعمل على تأجيج السلم الاجتماعي في القدس والضفة الغربية، الأمر الذي جعلها أكثر عرضة للإدانة والعزلة السياسية.


فإذا صحت اتجاهات استطلاعات الرأي الإسرائيلية، فإن صعود نجم غادي آيزنكوت وتراجع وزن معسكر نتنياهو قد يفتحان الطريق أمام إعادة تشكيل الخريطة الحزبية والحكومية في إسرائيل. والفارق في حجم الكتل، الذي وصل في بعض الاستطلاعات إلى نحو 14 مقعداً، لا يمثل مجرد فارق رقمي، بل يمكن أن يكون الفارق الذي يحدد هوية الحكومة المقبلة.

وهنا يصبح آيزنكوت أكثر من مجرد مرشح انتخابي؛ فهو قد يتحول إلى عنوان لإعادة ترتيب المشهد الإسرائيلي، خصوصاً إذا استطاع جمع قوى الوسط والمعارضة ضمن صيغة ائتلافية قادرة على تجاوز الانقسام السياسي الذي حكم إسرائيل خلال السنوات الماضية.


وفي واشنطن، تبدو الصورة أكثر رمزية إذ إن استمرار اللون الأزرق في التمدد وحصد المقاعد لصالح النفوذ الديمقراطي في الكونغرس، مع تراجع قدرة التيارات الأكثر التصاقاً بسياسات الحرب والضغط الإسرائيلي على التحكم الكامل في المشهد الانتخابي، قد يضع البيت الأبيض "الأحمر" أي الإدارة الجمهورية، أمام كونغرس أكثر ميلاً إلى الضبط والمراجعة.


وهنا تتشكل صورة سياسية شديدة الدلالة بيت أبيض أحمر وكونغرس أزرق، فيما تجد إسرائيل نفسها في جزيرة سياسية محاصرة بضرورات إعادة الحسابات، بعد أن استنفدت منهجية السلام بالإذعان التي حاولت من خلالها فرض واقع جديد؛ فلم تستطع فرض الواقع، ولم تستطع في الوقت نفسه تقديم تسوية يمكن البناء عليها...فاللون الأحمر في البيت الأبيض قد يمتلك الرغبة في المناورة والتصعيد، لكن اللون الأزرق في الكونغرس يستطيع وضع حدود سياسية ومالية واستراتيجية لهذه الرغبة. وإذا تزامن ذلك مع صعود تيار إسرائيلي أكثر استعداداً للتسوية، فإن هامش الحركة باتجاه الحرب سيضيق، بينما تتسع المساحة أمام التفاوض والشراكة.


وهذا لا يعني أن إسرائيل ستتحول فجأة إلى دولة سلام، ولا أن التيار اليميني سيتراجع بصورة كاملة، وإنما يعني أن معادلة الحرب لم تعد تملك وحدها القدرة على إنتاج الشرعية السياسية...ومن هنا تأتي أهمية تشرين الثاني/نوفمبر المقبل فقد يكون موعداً لاختبار صفحة سياسية جديدة، عنوانها طي صفحة الحروب وفتح صفحة الشراكات والتنمية.


فالمنطقة لا تحتاج إلى حرب جديدة بقدر ما تحتاج إلى إعادة بناء ما دمرته الحروب، وفتح الممرات أمام الاستثمار والتجارة والطاقة والتكنولوجيا، وإعادة صياغة العلاقات الإقليمية على قاعدة المصالح المشتركة بدلاً من قواعد الصراع المفتوح.

وإذا التقت نتائج الانتخابات الإسرائيلية مع التحولات داخل الكونغرس الأميركي، فقد نجد أنفسنا أمام لحظة سياسية نادرة: البيت الأبيض الأحمر لا يستطيع دفع المنطقة وحده نحو التصعيد، وإسرائيل لا تستطيع الاستمرار في الحرب كما كانت، واللون الأزرق في الكونغرس يفرض مساحة للمراجعة السياسية.


وعندها يصبح نوفمبر القادم موعداً سياسياً لطي صفحة وبداية صفحة جديدة؛ صفحة تحاصر الحرب لا الشعوب، وتفتح الأبواب أمام السلام لا الاستسلام، وتحول المنطقة من ساحة للصراع إلى فضاء للشراكة والتنمية بعناوين جديدة..فلقد أثبتت التجربة للجميع أن الحرب قد تصنع لحظة سياسية، لكنها لا تصنع مستقبلاً. أما السلام، حين يتحول إلى مشروع تنمية وشراكة ومصالح مشتركة، فإنه يستطيع أن يصنع المستقبل الذي ينشده الجميع.


وهنا تكمن المفارقة الكبرى أن يكون اللون الأزرق في الكونغرس هو الذي يضع اللون الأحمر في البيت الأبيض أمام حدود الحركة، وأن تكون إسرائيل نفسها مضطرة إلى الانتقال من سياسة الحرب إلى سياسة البحث عن مخرج للأزمة وحين يحدث ذلك، فإن نوفمبر القادم لن يكون مجرد محطة انتخابية، بل قد يصبح نقطة فاصلة بين زمن الحروب وزمن الشراكات.


وفي قلب هذا التحول يقف الأردن، الذي دفع فاتورة الغلو على مدى خمسة عشر عاماً، وتحمل وزر سياسات عدمية أرهقت الإقليم وأثقلت كاهله. ومع ذلك، ظل الأردن متمسكاً بأرضيته السياسية وقيمه التي تؤكد أن الخلافات لا تُحل إلا بالطرق السلمية، وأن الأمن المستدام لا يُبنى بالقوة وحدها، وإنما عبر الشراكات البناءة والتعاون الاستراتيجي والاحترام المتبادل ومرجعية القانون الدولي.


ومن هنا تأتي أهمية المرحلة المقبلة، خصوصاً مع توجه الأنظار إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول المقبل، حيث تتقاطع القضايا الإقليمية مع إعادة تشكيل النظام الدولي. وهو النهج الذي يحرص الملك عبدالله الثاني على تأكيده في خطاباته واتصالاته ولقاءاته الدولية، وفي مقدمتها زيارته إلى الصين حيث يلتقي الرئيس الصيني في زيارة دولة تحمل دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية، لتلامس موقع الصين في عالم التعددية القطبية القادم.


فالأردن، بما يمثله من موقع جغرافي ودور سياسي واعتدال استراتيجي، لا يبحث عن انتصار طرف على طرف، وإنما عن انتصار المنطقة على الحرب...ولذلك فإن الانتقال من حروب الانتخابات إلى سلام الشراكات ليس شعاراً سياسياً، بل قد يكون عنوان المرحلة المقبلة مرحلة يصبح فيها الاستثمار بديلاً عن الاستنزاف، والتنمية بديلاً عن الدمار، والشراكة بديلاً عن الهيمنة، ويصبح السلام ليس نهاية الحرب فقط، بل بداية لصناعة مستقبل جديد للمنطقة وقضاياها المستعصية وهذا ما يدعونا للتفاؤل لكن بواقعية .


مواضيع قد تهمك