عيسى حداد : معركة الوعي في زمن الترند
لم تعد معركة الوعي اليوم تُخاض في صفحات الصحف أو استوديوهات التلفزيون وحدها، بل انتقلت إلى شاشة الهاتف، حيث تصل المعلومة إلى ملايين الناس في ثوانٍ، وتتحول منشورات عابرة إلى قضايا رأي عام، ويصبح صاحب الصوت الأعلى أحيانًا أكثر تأثيرًا من مؤسسة أمضت عقودًا في صناعة الإعلام.
خلال العقدين الأخيرين، تغيرت خريطة التأثير الإعلامي جذريًا. تراجعت مكانة الإعلام التقليدي لصالح منصات التواصل، ولم يعد معيار التأثير قيمة المحتوى بالضرورة، بل قدرته على جذب الانتباه واستدعاء التفاعل. فالخوارزميات تدفع غالبًا بالمحتوى الذي يثير الفضول والغضب والجدل، لأن الانفعال يولّد تفاعلًا، والتفاعل يصنع انتشارًا.
وهكذا نشأت معادلة خطيرة: كلما كان المحتوى أكثر استفزازًا، زادت فرص انتشاره، بينما يحتاج المحتوى الهادئ والعميق إلى وقت أطول للوصول. وفي زمن السرعة، تستطيع معلومة ناقصة أو رواية مضللة أن تجتاح الفضاء العام قبل أن يجد أحد وقتًا للتحقق منها.
لكن الخطر لا يكمن في المعلومة الخاطئة وحدها، بل في تحول الترند إلى أداة لصناعة الاهتمام وتوجيهه. فما نراه بكثرة يبدو مهمًا، وما يغيب عن الشاشة يبدو كأنه غير موجود. وهكذا تستطيع الخوارزمية، من حيث لا نشعر، أن تؤثر في ما نقرأ، وما نناقش، وما نغضب منه، وما نعتقد أنه يستحق اهتمامنا.
وقد أظهرت تقارير معهد رويترز لدراسة الصحافة استمرار انتقال الجمهور، ولا سيما الشباب، نحو منصات التواصل والفيديو للحصول على الأخبار والمعلومات، بالتزامن مع تراجع الاعتماد على المؤسسات الإعلامية التقليدية وازدياد القلق من صعوبة التمييز بين الأخبار الحقيقية والمضللة في البيئة الرقمية.
ومع ذلك، فالمشكلة ليست في وسائل التواصل الاجتماعي بذاتها. فقد منحت الناس قدرة غير مسبوقة على التعبير، وكسرت احتكار المؤسسات للمعلومة، وأوصلت أصواتًا وأحداثًا إلى العالم لم تكن تجد طريقها إلى الإعلام التقليدي. وفي كثير من الأحيان، كان المواطن أول من ينقل صورة من موقع الحدث قبل وصول الصحفي أو المصور.
المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الفضاء إلى سوق مفتوحة للانفعال، يصبح فيها عدد المتابعين معيارًا للمعرفة، وعدد المشاهدات معيارًا للأهمية، وحجم الجدل معيارًا للحقيقة. وعندما يصبح صاحب الضجة أكثر حضورًا من صاحب الاختصاص، فإننا لا نكون أمام تغير في أدوات الإعلام فقط، بل أمام تغير في معايير التأثير نفسها.
والأخطر أن بعض وسائل الإعلام التقليدية بدأت تلاحق هذا المنطق بدلًا من مقاومته؛ فأصبح الجدل مادة إعلامية بحد ذاته، وصار صاحب الضجة ضيفًا دائمًا لأنه يجذب المشاهدات، حتى لو لم يقدم قيمة معرفية حقيقية. وهنا يفقد الإعلام إحدى أهم وظائفه: أن يقود النقاش العام، لا أن يركض خلفه.
إن المجتمع الذي يتلقى الأخبار من خلال ما يثيره لا ما يفسره، يصبح أكثر قابلية للتوجيه. فالعاطفة أسرع من العقل، والغضب أسرع من التحقق، والانطباع أسرع من الحقيقة. ولهذا فإن أخطر ما يفعله الترند ليس أن يفرض علينا رأيًا محددًا، بل أن يدفعنا إلى إصدار أحكام سريعة قبل امتلاك المعلومات الكافية.
ومن هنا تصبح معركة الوعي مسؤولية وطنية ومجتمعية، ولا تُحسم بمنع المنصات أو تقييد التعبير، بل ببناء إنسان يمتلك القدرة على التفكير النقدي. نحتاج إلى تربية إعلامية ورقمية تبدأ من المدرسة، تعلّم أبناءنا التمييز بين الخبر والرأي، والتحقق من المصادر، وفهم طبيعة الصور والمقاطع المقتطعة، وإدراك أن ما يظهر على الشاشة ليس بالضرورة الحقيقة كاملة.
ونحتاج في المقابل إلى إعلام مهني يدخل الفضاء الرقمي بأدواته ولغته، من دون أن يتخلى عن التحقق والمسؤولية. فالمطلوب ليس منافسة المنصات في الضجيج، بل صناعة محتوى قادر على الوصول إلى الناس من دون أن يدفع ثمن ذلك من الحقيقة.
كما تقع على الدولة مسؤولية تتجاوز الرقابة والتنظيم إلى بناء مجتمع يمتلك المناعة الفكرية، وتهيئة بيئة تسمح للمعرفة والخبرة والمحتوى الرصين بالوصول إلى الناس بلغة العصر. فالفراغ لا يبقى فراغًا؛ وإذا غاب المحتوى الجاد، ملأته الضوضاء.
ولا يكفي أن نطالب الناس بعدم تصديق الشائعات؛ بل علينا أن نسأل: لماذا تصل الشائعة أسرع من الحقيقة؟ ولماذا يحصد المحتوى السطحي ملايين التفاعلات، بينما يبقى المحتوى الجاد في دائرة ضيقة؟ هنا يجب أن تنتقل سياسات الإعلام والتعليم من رد الفعل إلى بناء منظومة حقيقية لصناعة الوعي.
فالمعركة ليست بين الإعلام التقليدي والجديد، ولا بين الصحفي والمؤثر، بل بين المعرفة والضوضاء، والحقيقة والانفعال، وعقل يفكر وخوارزمية تؤثر في ما يرى. فالترند قد يعيش ساعات، لكن أثره قد يمتد سنوات، وكثرة التفاعل ليست شهادة على صحة الفكرة، كما أن سرعة انتشارها ليست دليلًا على أهميتها.
وفي النهاية، السؤال ليس: من يملك أكبر منصة؟ بل: من يملك القدرة على حماية وعي الإنسان؟ فعندما نترك الخوارزمية تحدد لنا ما نغضب منه، وما نهتم به، ومن نصدقه، فإننا لا نفقد السيطرة على إعلامنا فحسب، بل نتنازل تدريجيًا عن استقلالية وعينا.
وهنا تبدأ معركة الوعي الحقيقية: أن نفكر قبل أن نحكم، وأن نفهم قبل أن ننفعل، وأن نمتلك شجاعة التمهل في زمن يكافئ السرعة؛ لأن أخطر ما قد نخسره في زمن الترند ليس الحقيقة وحدها، بل قدرتنا على البحث عنها.